الجواب على هذا السؤال أمر مهم لأن هناك أكثر من مؤشر على أن هناك حالة باموفوبيا في البلاد رغم أنها لم ترقى بعد إلى الظاهرة ما دام أن هناك من يصارع من أجل ألا تصل الأمور إلى هذا الحد للأسف الشديد.

كثيرون هم من يتحدثون عن هذا القرش السياسي بحذر شديد، وبانتقاء حذر للكلمات والجمل، وكأننا إزاء حالة استثناء، أو نعيش بأثر رجعي سنوات جمر ورصاص سياسي وانتخابي، وحتى أولائك الذين امتلكوا الشجاعة وكشفوا مظاهر تحكم هذا التيار السياسي الذي اكتسح انتخابات 2009 الجماعية بعد سنة واحدة فقط من تأسيسه، وسلطوا الكثير من الأضواء الكاشفة حول طبيعة زعاماته السياسية التي أوكل لها مهمة تنزيل المشروع التحكمي كما يصفه بنكيران وقبله حميد شباط، فعلوا ذلك وهم يلوحون بأنهم مستعدين لدخول السجن والموت في سبيل الله مثلما فعل السيد رئيس الحكومة في أكثر من مناسبة آخرها تجمعاته الخطابية التي سبقت استحقاق يوم 04 شتنبر بعشرة أيام .

هل استبد الرعب والخوف والهلع في نفوس من يتوجسون من مشروع البام - الذي شبهه إعلام حزب الاستقلال في ذروة الصراع بين شباط والياس العماري بالطاحونة المدمرة- إلى هذا الحد؟ هل يمكن في ظل عهد وسم بالجديد أن نشعر كمغاربة أننا أصبحنا أمام حالة الباموفوبيا؟ هل إلى هذا الحد صار البام بعبعا مخيفا لا يستطيع مقاومته حتى من يمتلك جزء من السلطة السياسية الناتجة عن صناديق الاقتراع؟.

شخصا أومن أن زمن أوفقير والدليمي أصبح من الماضي، وإن كانت أطروحة أن البام طاحونة مدمرة تأتي على الأخضر واليابس، فقناعتي الراسخة بكون الوطن أكبر من البام تجعلني مطمئنا أن مشروع هذا الحزب لا يستطيع أن يتسيد على الدولة بمفهومها السوسيولوجي الشامل، الذي يحيل على الأرض والشعب والسلطة السياسية، مهما كانت قوته ومهما كان نفوذه ومهما كانت حجم إمكانياته المالية والبشرية.

يمكنهم أن يكتسحوا الانتخابات في 2009 ويمكنهم السيطرة على الإعلام ويمكنهم السطو على جزء من السلطة بطرق تدليسية كما فعلوا في استحقاق الجهات يوم 14 شتنبر مادام أن هناك الكثير من النوافذ القانونية والسياسية التي تمنحهم إمكانية فعل ذلك.... لكن وهذا هو المهم في رأيي المتواضع جدا، هل لديهم القدرة والاستطاعة على التحكم في وطن أختاره الشعب حبا وطواعية كما تغنى بذلك مارسيل خليفة في أغنيته الرائعة والخالدة إني اخترتك يا وطني سرا وعلانية؟

ما يخيف المغاربة اليوم بدرجة أكبر ليس هو التحكم أو البلطجة السياسية المسنودة من جيوب مقاومة الإصلاح والتغيير أو الرغبة في تطويع مؤسسات الدولة الدستورية لخدمة مشروع ما اخوانيا كان أو بامجيا أو جمهوريا أو ماركسيا لينينيا، بل إن ما يخيفهم في المقام الأول والأخير، هو الإرهاب الذي يتغذى من الأزمات واليأس والإحباط والإحساس بالدونية والاحتقار، هو الفراغ الذي تخشاه الطبيعة...

من يؤمن بثوابت الدولة إيمانا و احتسابا لن يتملكه على الإطلاق أي إحساس أو شعور بالباموفوبيا. البام حزب ستطارده لعنة الولادة مهما حاولوا تجميله بمساحيق سياسية أو إعلامية، وجزء كبير من النخبة السياسية والفكرية والإعلامية والثقافية في هذا البلد، ساهمت إلى حد كبير في تضخيمه والنفخ فيه وتصويره للرأي العام كبعبع مخيف وأشباح وعفاريت وتماسيح تغطي كل مساحة هذا الوطن الذي تكمن قوته وجاذبيته في تنوعه وتعدديته وإجماع المغاربة على ثوابته الأساسية..

البام ظاهرة في السياسة لها أجلها المحتوم، طال الزمن أم قصر، لأن ولادة هذا الحزب كانت قيصرية، ووجوده ارتبط بسياق معين وأهداف سقطت عندما وصل الإسلاميين إلى الحكومة في المغرب في سنة 2011 بسبب الحراك، الذي حكم على هذا الحزب بالتواري إلى الخلف والدخول في فترة كمون إلى أن هدأت العاصفة، التي أنهت حكومة عباس الفاسي الفهري، وفرضت انتخابات سابقة لأوانها، ودستور متقدم بلور خطاب 09 مارس خطوطه العريضة. كما أن عجلة التاريخ المتحرك تسير دائما إلى الأمام ولا يمكن العودة بها إلى الخلف لأن الواقع المغربي عنيد وعصي على الاحتواء مهما كانت قوة ونفوذ أي مشروع.

لهذا على المغاربة أن يستوعبوا أن لهذا الوطن رب يحميه وملكية عريقة ضامنة لاستقراره وساهرة على احترام دستوره ومعنية بتكريس خياره الديمقراطي وتعزيز حريات المواطنين وحقوقهم وحامية الملة والدين وحوزة التراب الوطني.

قوة الدولة في المغرب نابعة تاريخيا من تلاحم العرش والشعب وليس من الفديك أو البام أو الأحرار أو الاتحاد الدستوري أو ما شابه ذلك، ومن لديه شك في هذا الأمر، فعليه العودة لقراءة تاريخ هذه الدولة وربط ماضيها بحاضرها لكي يتمكن من استشراف مستقبلها الذي لن يكون أسودا مهما كانت الانحرافات.

دستوريا لا شيء يمنع من تأسيس الأحزاب أو منع المواطنين من تأسيسها، والتعددية السياسية في المغرب من المكتسبات التي لا يمكن التفريط فيها بأي حال من الأحوال، وأي مقاربة تروم منع المواطنين المغاربة من الحق في تأسيس حزب سياسي أو الحيلولة دون تمكينهم من ممارسة حق المشاركة السياسية خارج إطار القانون، فهي مقاربة خاطئة ومرفوضة ولا يمكن بأي حال من الأحوال تبريرها خارج إطار ما ينص عليه القانون ويخوله الدستور من حقوق للأفراد والجماعات..

من هذا المنطق، فحالة الهلع والخوف التي تؤطر سلوك النخبة السياسية في المغرب اتجاه حزب الأصالة والمعاصرة هي في الحقيقة حالة لا ترتبط في عمقها بنشأة هذا الحزب التي أثير الكثير من الجدل ولا زال يثار إلى غاية اليوم حول ولادته، بقدر ما أنها ترتبط بطبيعة مشروعه التحكمي الذي انطلق في 2009 ولم يتوقف في 2015 رغم أنه لم يعد خشنا بالشكل الذي كان عليه بين 2009 و 2011.

مهزلة انتخابات 2009 كان الرد عليها واضحا في تظاهرات الحراك الفبرايري الذي انطلق يوم 20 فبراير بشعار مركزي" الشعب يريد إسقاط الفساد والاستبداد" كان واضحا في مضمونه السياسي الذي يحيل على مشروع البام الذي شبه بمشروع بنعلي في تونس. وقد تعزز الرد أكثر في الانتخابات التشريعية ليوم 25 نونبر 2011 التي اكتسحها البيجيدي بــ107 مقاعد مكنته من رئاسة الحكومة التي يقودها الأمين العام لهذا الحزب عبد الإله بنكيران، مع العلم أنه من جملة الأهداف التي أنشئ من أجلها البام هي إضعاف الإسلاميين ومزاحمتهم في المجتمع لمنع تسللهم إلى السلطة..
وصول الإسلاميين للسلطة بعد اكتساحهم للانتخابات السابقة لأوانها لم يكن دافعا لصياغة خطة بديلة من طرف عرابي البام بل استمر هذا الحزب على نفس المنهج وانخرط في تحالفات جديدة بعد تحالف جي 8 ثبت في استحقاق 4 شتنبر أنها لم تعطي أكلها رغم أنه كان مسنودا في حربه على الإسلاميين بجبهة عريضة من الصعب جدا حصرها..

في الوقت الذي اعتقد فيه الباميون وحلفائهم أن الضربات التي وجهت للعدالة والتنمية خلال الأربع سنوات الماضية ستعطي أكلها لا محالة، تبث العكس، واحتل الإسلاميون الصدارة من حيث عدد الأصوات التي حصلوا عليها يوم 4 شتنبر الماضي " مليون ونصف المليون صوت" وهو رقم كبير جدا إذا ما قورن بعدد الأصوات التي حصلوا عليها في انتخابات 2009 الجماعية حيث تضاعف عدد المصوتين عليهم ثلاث مرات. كما استطاع هذا الحزب الذي غطى عدد أقل من الدوائر الانتخابية التي غطاها البام من حيث النسبة العامة أن يكتسح المدن الكبرى والمتوسطة والصغرى، وضمن له تواجدا محترما حتى في البادية التي سيطر عليها البام وهذا ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول مستقبل المشروع السياسي للبام في ظل هذه المعطيات وغيرها كثير؟

استنادا لنتائج الانتخابات التي أعلنت عنها وزارة الداخلية احتل البام الصدارة وكان متبوعا بحليفه الذي غادر الحكومة في سنة 2013 بمبررات واهية ثبت اليوم فشلها الدريع بعد إعلان زعيم حزب الاستقلال بشكل غير رسمي مادام أنه لا يوجد أي بلاغ فك ارتباطه بالبام ودعوة الاستقلاليين لفك تحالفاتهم معه في الجماعات والجهات، وإعلانه لقرار المساندة النقدية لحكومة بنكيران، وتصويته لفائدة الوزير الأزمي الذي أسقطه من عمودية مدينة فاس... لكن، هل انتصر البام سياسيا؟ هل حقق أهدافه التي سطرتها بعد الولادة؟

بكل تأكيد لقد عاش البام كبوة سياسية حقيقة لا يمكن إخفائها بالتدرع بالصدارة من حيت عدد المقاعد أو الجهات أو الجماعات التي حصل عليها وووو.

فمادام أن البيجيدي تفوق عليهم من خلال مجموع الأصوات التي حصل عليها دون أن يتورط في إفساد العملية الانتخابية بأي وسيلة من وسائل الإفساد التي لجأت إليها أحزاب سياسية أخرى، ومادام أن منسوب شعبية الحزب الاسلامي تضاعف ثلاث مرات، واكتسح كبريات المدن بأقطابها الثلاث " الاقتصادية، السياحية، الإدارية" التي تتمركز فيها الطبقة الوسطى، بخلاف البام الذي هجر في اتجاه البادية، واندحر في المدن التي كان يسير عمودياتها مثل طنجة ومراكش وهذا دليل قاطع على أنه فشل في تدبير تلك المدن ونيل ثقة ساكنتها.

وحتى الجهات التي"فاز" البام برئاستها مثل جهة الدار البيضاء سطات التي كانت من نصيب أمينهم العام الذي هزمه " جنيور" العدالة والتنمية في مسقط رأسه شر هزيمة لم يتحقق إلا بتحالفات تفتقد للمنطق وتنطوي على مصادرة حقيقية لإرادة الناخبين الذين لم يصوتوا لفائدة الأصالة والمعاصرة..

ما ينطبق على جهة الدار البيضاء سطات ينطبق أيضا على جهة طنجة الحسيمة التي صوت فيها 12 عضوا من أحزاب التحالف الحكومي " الحركة والأحرار" لصالح الياس العماري الذي حصل على 42 مقعد، وهو ما يعني أن منافسه سعيد خيرون الذي حصل على 20 مقعدا تعود لحزبه وحزب التقدم والاشتراكية الذي بقي وفيا لتحالفه وميثاق شرف أحزاب الأغلبية الحكومية، كان سيكون هو الرئيس لو لم يصوت 12 عضوا من حلفائه لصالح نائب الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة.

هل من المنطق في السياسة أن يصوت حزبين حليفين للعدالة والتنمية في الحكومة ضد مرشح هذا الحزب في استحقاق جهوي مهم في كل من طنجة وتطوان لو لم تكن هناك ضغوطات أو مساومات؟ كيف يمكن لعضو فاز بدائرته الانتخابية في الاقتراع الفردي بــ150 صوت وليست له الأغلبية بمنطق التحالف الحكومي أن يفوز بجهة لا يمتلك فيها الأغلبية؟

للأسف الشديد ما وقع في انتخابات رؤساء الجهة يوم 14 شتنبر وصمة عار في جبين الديمقراطية ستبقى عالقة في ذاكرة المغرب السياسية مثلما بقيت انتخابات 2009 عالقة إلى غاية اليوم.

ما حدث في هذا اليوم مؤشر سلبي ينم على أن مسلسل قتل السياسة في المغرب مستمر وأن إرادة الناخب المغربي في التغيير عبر صناديق الاقتراع لم تحترم وهذا أمر مؤلم جدا لأنه يعطي شرعية ومصداقية لدعوات مقاطعة الانتخابات ويسفه العملية السياسية ويمنح الفرصة لقناصة اليأس والإحباط والتعصب الذين ينتعشون في الأزمات.

الحديث عن أن أجواء الانتخابات كانت عادية يمكن أن يكون صحيحا من الجانب التقني أما من حيث المضمون السياسي فبكل صراحة كانت هناك ردة سياسية تضر بالخيار الديمقراطي في المغرب ولا تخدمه على الإطلاق ولولا يقظة الناخبين في عدد من المدن لكانت الردة ستكون أفضع بكثير.