في مناظرة علمية نظمها مركز الدراسات والأبحاث في منظومة التربية والتكوين بتعاون مع الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية، بمدينة خريبكة، حول ”إشكالية القيم في منظومة التربية والتكوين ودورها في بناء الهوية الوطنية"، أدليت بمجموعة خلاصات اعتبرتها أساسية لبناء نظام قيمي متوازن يسمح للمدرسة المغربية بأن تتمكن من الإسهام في بناء المواطن الذي يستجيب لتحديات المرحلة الراهنة، ومن بين هذه الخلاصات التأكيد على أن من أسس هذا البناء إعطاء الأولوية للإنسان باعتباره قيمة عليا، ما لم يستسغه بعض الحاضرين الذين اعتبروا أن الأولوية ينبغي أن تكون للعقيدة والدين على الإنسان، وهو ما أعتبره شخصيا أحد أسباب تأخر المسلمين وفشل نماذجهم الدولتية في مقابل تطور الدول والمجتمعات الغربية ورقيها ونجاحها في شتى المجالات.

ولأن المقام لا يتسع للمقاربة الأكاديمية النظرية لمعاني هذه الفكرة وأبعادها الفلسفية والسوسيو ثقافية والسياسية، فإنني أحب متابعة هذا النقاش من خلال دراسة حالات وتجارب إنسانية يومية، نجدها في واقعنا الاجتماعي، وهي حالات تمكننا بلا شك من فهم معنى أولوية الإنسان باعتباره قيمة عليا، وأثر ذلك على الدولة والمجتمع ومصالح الإنسان المواطن.

ولنبدأ أولا بتحديد الأسباب التي تجعلنا نميل إلى اعتبار أولوية الإنسان على الدين أو على غيره من الوسائل الأخرى التي يعتمدها في تنظيم حياته الدنيوية، وهي أسباب ثلاثة رئيسية:

1) لأن الإنسان وحده الكائن العاقل وسط الطبيعة، يعمل على تسخير جميع الأشياء الأخرى (المادية والرمزية) في خدمته من أجل الترقي في درجات الحضارة وبلوغ مراتب عليا في تحقيق إنسانيته، أي في تجاوز ذاته ووضعيته، لهذا فهو الكائن الوحيد الذي يتواجد خارج ذاته باستمرار أي في المستقبل.

2) لأن الإنسان عندما يُجعل في مرتبة ثانوية يصبح وسيلة تقضى به حاجات أخرى، وعندما يصبح الإنسان وسيلة فإنه يفقد الكرامة التي تميزه بصفته إنسانا، والكرامة هي أن يكون الإنسان هو الغاية.

3) لأن الإنسان عندما يصبح ثانويا ووسيلة، يُسترخص وجوده وروحه وحياته، فيصبح الاعتداء عليه أو استعباده أو اضطهاده أو قتله أمرا هينا وشرعيا ومبررا، وهذا ما حدث في لحظات الاضطهاد الديني أو السياسي أو العرقي أو الطبقي أو غير ذلك من أنواع الاستعباد التي مرّت بها البشرية. حيث كان بعض البشر يعمدون إلى استعمال هذه الاختلافات لتبرير امتيازاتهم وتحصين مصالحهم على حساب الآخرين.

على ضوء هذه التحديدات المختزلة والسريعة لينظر معي القارئ في هذه الأمثلة التي نستقيها من واقعنا:

ـ المثال الأول: مهندس دولة في المعلوميات، سكن في حي عصري، فوجد أن خمسة أضواء في الشارع في حالة عطب، ووجد مزبلة أمام البيوت كان ينبغي أن تكون في الأصل مساحة خضراء، فعمد منذ أيام سكنه الأولى إلى الاتصال بالمسؤولين وإصلاح أعطاب المصابيح، وحول المزبلة إلى حديقة بتعاون مع موظفة بوزارة الداخلية، ثم وجد الأطفال يلعبون في الشارع بطرق تؤدي إلى عرقلة السير ووضع الأحجار الكبيرة وسط الإسفلت، فتحدث إليهم وعلمهم كيف يلعبون بشكل نظيف دون الإساءة إلى غيرهم، واشترى لهم بعض الوسائل البسيطة للعب بطرق أخرى، وكان يحضر لهم كميات من الحلوى بين الفينة والأخرى فأصبح محبوبا من الجميع، كما أصبح بيته نموذجا للنظام والجمال في الحي كله. لكن سرعان ما انبرى أحد سكان الحي ليبدأ حملة تشهير ضدّ الرجل باعتباره لم يشارك قط في الصلاة ولم يشاهده أحد يدخل مسجدا، بل إن هذا المواطن نهى ابنته الصغيرة عن التعامل مع المهندس لأنه "لا يؤمن بالله"، فتم إقحام الطفلة البريئة في حسابات الكبار الخاطئة. والحقيقة أن ما حدث هو أن المواطن الإسلامي بعد أن رأى صلاح المهندس واستقامته ونظافته حاول التقرب إليه من أجل استقطابه في تياره الديني السياسي، لكن المهندس كان صادقا مع المواطن الإسلامي فأخبره بأنه لا يصلي وأن هذا الأمر قناعة شخصية. كانت النتيجة أن المواطن الإسلامي أخبر جاره المهندس بلهجة شديدة وامتعاض بأن كل عمله الصالح لا قيمة له ما دام لا يؤمن بالله. وبدأت حملة المقاطعة والتشهير.

المثال الثاني: كان هناك قسّ مسيحي في مدينة مغربية صغيرة، عرف بحبه للناس وسعيه إلى الخير، كان يقابل كل من يقترب منه ببشاشة ودماثة خلق، ورغم أنه ساعد الكثير من الناس من الأطفال والكبار، إلا أنه لم يسبق أن تحدث لأي منهم عن دينه، وكان السكان البسطاء يحترمونه احتراما كبيرا، لما رأوه فيه من زهد وكفاف وحبّ للخير ورهافة إحساس جعلته عطوفا على الناس والحيوان والنبات، حيث علم الكثير من أطفال المدارس حبّ الطبيعة وكيفية العناية بالنباتات وزرع الأشجار والزهور. توفي هذا الرجل قبل شهور، فقرر جميع التلاميذ الذين تعاملوا معه المشي في جنازته لما يكنونه له من حبّ وتقدير، إلا أن أحد المدرسين نبه أستاذة الفرنسية المؤطرة لهؤلاء التلاميذ بضرورة استشارة أحد الفقهاء لمعرفة مدى جواز حضور جنازة هذا الشخص المسيحي، فاتجهت أستاذة اللغة الفرنسية إلى مكتب رئيس المجلس العلمي بالمنطقة وطرحت الإشكال أمامه وعبرت له عن رغبتها ورغبة تلامذتها في حضور جنازة القسّ، فكان جواب الفقيه العلامة: "إياكم وفعل ذلك، فهذا رجل كافر مصيره النار وبئس القرار، وقد يدخلكم الله مدخله إذا ما مشيتم في جنازته".

عادت المدرّسة بقلب حزين إلى التلاميذ الذين سرعان ما بدّدوا سحب كآبتها عندما عبروا لها عن أن قرارهم الأخير والنهائي الذي لا رجعة فيه هو حضور جنازة صديقهم القسّ، معتبرين ذلك عملا إنسانيا لا يحتاج إلى فتوى من أحد.

المثال الثالث: مواطن مغربي يهودي معروف كان أستاذا جامعيا، قام بتأطير طالبة مغربية في إعدادها لشهادة دكتوراه، اشتغل الأستاذ اليهودي مع طالبته بجدّ ونظام صارم، بمعايير الجامعات الدولية الراقية، وقدم لها كل المساعدات المطلوبة من مراجع ووثائق ووفر لها إمكانية الدخول إلى متاحف ومكتبات، كما كتب لها مراسلات مكنتها من مقابلة شخصيات هامة من رجال ونساء الدولة، واستطاعت الحصول على الدكتوراه بميزة مشرفة جدا، عند نهاية المناقشة توجهت الطالبة لشكر أستاذها قائلة "والله يا أستاذ ما فعلته معي من خير لن أنساه أبدا، خسارة أنك لست مسلما"، فكان جواب الأستاذ اليهودي على الفور: "وماذا فعل معك الأستاذ المسلم الذي توجهت إليه قبلي؟ " فاحمر وجه الطالبة وطأطأت رأسها وانصرفت. كان الأستاذ المسلم المذكور قد حاول التحرش بالطالبة، مما جعلها تتخلى عنه وتلجأ إلى الأستاذ اليهودي ليشرف على أطروحتها.

المثال الرابع: مواطن مغربي تعاقد مع دولة العربية السعودية للعمل هناك لبضعة أعوام، لكنه سرعان ما تعرض ابنه البالغ من العمر ثماني سنوات للاغتصاب من طرف مدير المدرسة. فتقدم بشكاية للجهات المسؤولة وعمل على المتابعة القضائية للمدير السعودي الوحش، لكن جهوده ذهبت سدى إذ لم يتم تفعيل أي من شكاياته، فقرر اللجوء إلى ملك السعودية آنذاك، فلم يعره بدوره أي اهتمام، فكان أن اضطر إلى فسخ التعاقد والعودة إلى وطنه وهو في حالة انهيار تام، ليحكي عن قوم مرضى، يظلون يلهجون بأحاديث الدين والأخلاق طوال اليوم، ويأتون كل أنواع الموبقات والجرائم خلال ذلك، متواطئين فيما بينهم.

من يستطيع أن يزعم اليوم بأن الوعي الديني لمجتمعات شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وأنماط التدين الرائجة لديهم، لا تمثل حجر عثرة في طريق الوعي المواطن، والعيش المشترك. أليست أسبقية الدين على الإنسان مجرد قناع لتغطية كل مظاهر التخلف والتطبيع معها ؟ على الذين يقومون بمراجعة المقررات الدينية المغربية أن يأخذو ا هذا السؤال بعين الاعتبار.