لا تُصالح !

..و لو منحوكَ الذهَبْ ،
ثم أثّبثُ جوهرتين مكانَهما..
هل تَرىَ ..؟
هي أشياءٌ لا تُشترى..
...كل شيء تحطم في نزوةٍ فاجرة .
و الذي اغتالني : ليس ربًاً..ليقتلني بمشيئته
ليس أنْبلَ منّي..ليقتلني بِسكّينتِه،
ليس أمهَر مني..ليقتلَني باستدارتِه الماكرةْ
لا تصالحْ ، فما الصلحُ إلا معاهدةٌ بين ندَّيْنِ..
(لا تُصالح ،أمل دنقل)( )

يؤكد اليسار منذ أنطلاقته الأولى على خيار التحول الديقراطي و المشاركة السياسية ، كخيار إستراتيجي و مستقبلي يفرضه الواقع و الشروط الموضوعية لصراع القوى وتوازنها في إطار التشكل الذي يعرفه المجتمع المغربي . و بكونه كذلك خيار يستجيب لتطلعات النخب و الطبقات الاجتماعية التي تسعى لبناء مجتمع حداثي تقدمي يكرس ثقافة الإختلاف و التعدد داخل الدولة .إن ولادة الفكرة التقدمية اليسارية ، بدأ منذ تأسيس الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 1975 مع تبني الاختيار الديمقراطي بزعامة عبد الرحيم بوعبيد بدل الاختيار الثوري للمهدي بنبركة . وهكذا، جاء المؤتمر الوطني الاستثنائي 10 – 12 يونيو ليحول اسم الحزب من الاتحاد الوطني الى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ويؤكد على اختياراته الأساسية في المجال الإيديولوجي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي وليربط التحرير بالديمقراطية والاشتراكية، مناضلا في الساحة الوطنية مدافعا عن الفكرة التقدمية التي تتجسد في محاربة الريع و تقسيم الثروة و الدفاع عن العدالة الإجتماعية و النضال من أجل تحرير السلطة من دار المخزن المحتكر لها و السعي إلا تكريس إستقلال السلطة القضائية.
وإذن ، ماهي الأسباب التي جعلت من اليساريسارا مشتتا في المشهد السياسي ؟و أين يتجلى مستقبل اليسار بالمغرب ؟ وما هو السيبل لتوحيد اليسار ؟
تعتبر الإختلافات الموجودة بين الأحزاب إختلافات بسيطة ، و ليست إختلافات إيديولوجية . و انما بطبيعة الحال النضال من اجل السلطة داخل الأحزاب و في المجتمع المدني و في مؤسسات الدولة . بهذا المنحى تكون الإيدولوجية وهما مقنعا يلبسه كل مناضل ضد حزبه من أجل إنشاء حزب جديد . إن ظاهرة تقيم الأحزب ظاهرة تخفي وراءها كما قلنا مجموعة من الإنتهازيين غرضهم إضعاف التنظيمات اليسارية، و من أجل التهرب من مسؤوليتهم في تشتيت الحزب اليساري . يؤلفون لأنفسهم أوهاما بصيغ كثيرة ماركسية لينينة ماوية تروتسكوية أو إشتراكية علمية ، إشتراكية ديمقراطية ... لقد إنفصل حزب الطليعة الديمقراطي الإشتراكي و معه منظمة الوفاء و الحزب العمالي عن الإتحادالإشتراكي للقوات الشعبية ، و جبهة القوى الديمقراطية ، عن حزب التقدم و الإشتراكية ، والحزب الإشتراكي الديمقراطي عن منظمة العمل الديمقراطي الشعبي و التي ستتحد فيما بعد مع اليسار الإشتراكي و المستقليين و تيار منظمة الوفاء ..ليشكلوا حزب الإشتراكي الموحد الذي بدوره سيتحد مع حزب المؤتمر الإتحادي- الذي خرج من رحم الإتحادالإشتراكي إبان صراع الأموي مع اليوسفي – و حزب الطليعة الديمقراطي في فيدرالية اليسار الديمقراطي. ويمكن لنا أن نتحدث عن حزب النهج الديمقراطي الذي يعتبر نفسه إمتدادالحركة إلى الأمام الماركسية اللينينة و الذي بقيا محصورا بسب مواقفه في الصحراء المغربية. تشترك هذه الأحزاب في المفاهيم الكبرى لليسار إما تقدمية إجتماعية أو تقدمية علمية أو تقدمية ديمقراطية...هذه الأحزاب بإستثناء فدراليةاليسار الديمقراطي منغلقة تقوم على أسس تقليدية و ترفع شعارات السبعينيات و لم تستطيع تفكيك بنيات الواقع السياسي والاقتصادي و الثقافي .كما أنها لم تغير نخبها التي تشرف على التسيير و الدعاية للحزب .و يمكن القول أن جل نخبها استهلكت رصيدها النضالي و لم يعد لها مكان في زمن شباب اليوم. إذ لم يعد جزء كبير من الشعب يجد نفسه فيها ، ومنه الشباب على الخصوص. يقول عبد الكبير الخطيبي في كتابه التناوب و الأحزاب السياسية " من البديهي أننا أمام معجم سياسي مشترك بين أحزاب اليسار . ما يتغير ، هو طبيعة الصراعات بين الأشخاص.هذه الصراعات ، مصدر التقسيم ، يفسرها علم الاجتماع." ." ( )
إن ازمة اليسار تكمن اليوم في إنقسامه . لكن ما هو سبب هذا الإنقسام هل هو صراعات اشخاص أم صراعات إيديولوجية ؟ لقد سبق ان قلنا أن الواقع المغربي بتغييره لم يعد يقبل العقائد الإيدولوجية ، إذا كان الخلاف خلاف حول الإيديولوجيا . أما إذا كان الخلاف خلافا شخصيا كما وقع مع الأستاذ الأموي و الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي فعلى القواعد التمرد على من يرى نفسه وصيا على الإرث اليساري .اليسار لا أحد يمتلك ملكيته بالمغرب اليسار للشعب وحده وهو المسؤول عن مصير اليسار بالمغرب . تضحيات المهدي بن بركة و عمر بنجلو ن وبوعبيد و الجابري وسعيدة المنبهي و زروال و علي يعته و السرفاتي وأخرون ...لا يجب ان نسمح لها نحن جيل اليوم أن تذهب مع أدراج الرياح . مستقبل المغرب ما زال يتشكل وضرورة اليسار في هذا المستقبل أساسية وجوهرية . اليساريين اليوم يحتاجون إلى نضج كبير و تنازلات من أجل إرساء قطار الوحدة " وحدة اليسار " يسار قوي و ديمقراطي – تقدمي . كيف يمكن ان نبني الحياة و المستقبل ؟ هنا يكمن أحد أسرار العيش الجماعي السياسي خصوصا هذه الأيام الصعبة على وطننا الذي نحبه جميعا. هل يعقل أن يستفرد حزب الأصالة كحزب مخزني بأربعة جهات و حزب الأحرار الإداري بجهتين و العدالة والتنمية بجهتين و اليسار رجع بخفي حنين. ما هو حجم اليسار في إنتخابات 4 شتنبر ؟ هذه الازمة التي وقعت لليسار في هذه الانتخابات التي قطعناها لأسباب موضوعية و واقعية ، بينت المرض الذي يعاني منه اليسار ، مرض البكورية و الأبوية .يجب تجاوز منطق الباكورية الذي يمثله حزب الإتحادالإشتراكي بكونه أب اليسار في المغرب ولا أحد يجب ان يتحدث عن وحدة اليسار إلا إذا جاءت الدعوة من الحزب الأب . مع العلم أن نخبة البكورية متورطة في ملفات فساد و أصبح وجهها غير مقبول لدى الشعب اليوم من سيثق في خطاب المالكي أوولعلو أو لشكر أو اليازغي أو خيرات...الشعب كره هذه الوجوه المتسلطة على التنظيم الشعب يرد وجوده شابة مقبولة كالكحص أو أبوزيد أو الشامي أو عمر بلفرجاو نبيلة منيب و الساسي ...أما على مستوى الإيدولوجية فاليسار يتفق على نقط كثيرة منها :
- "الدولة المدنية الديمقراطية التي تعني إستبعاد خيار الدولة الدينية أو العسكرية .
- الملكية البرلمانية التي تعني أن تكون سلطة القرار في كل ما يتعلق بالبرنامج ، في توجهاته الكبرى و فلسفته ، أو في تفاصيله و مقتضياته أو سائر مناحيه الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و الأمنية و العسكرية و الثقافية و الداخلية و الخارجية ، بين أيادي المنتخبين و المنتخبات و تكون المهمة الرئيسة للملكية هي تمكين هؤلاء المنتخبيين من ممارسة سلطتهم.
- حقوق الإنسان و الحريات الجماعية و الفردية بمعناها الكوني و توجد في طليعتا حرية المعتقد والمساوة بين المرأة و الرجل .
- التقدم في النضال الفكري للقوى الديمقراطية و التقدمية من اجل إقناع المجتمع بإنجاز قطيعة تاريخية مع فكر الإستبداد في كافة مظاهره و تجلياته . " ( )
لقد تبين أن الشعب المغربي في حاجة تعليم جيد و إلى مرافق صحية و على سكن في مستوى تطلعاته و إلى رفاهية في الحياة و العيش كما تعيش كل الشعوب التي كانت في الأمس في مستوانا الثقافي و الإقتصاديكالفيتنام و تركيا و طيوان و اليابان و كوريا الجنوبية . هل محكوم علينا أن نبقى شعبا متخلفا خائفا خانعا مستسلما . إن الاجداد لم يستسلموا في زمن الجوع و الحرب و الفقر و قساوة الظروف المناخية . أيها الشعب العظيم ، يجب ان نرفع نداء توحيد اليسار كما وقع في تونس الجديدة . فقد برهن الربيع الديمقراطي على التغيير في التوازنات و في العقليات داخل المجتمع التونسي. مما جعل قادة الاحزاب اليسارية ومنهم الشهيد شكري بلعيد و حمة الهمامي و أخرون على ضرورة التفكير في توحيد اليسار وقد توصلوا إلى توحيده في كتلة واحدة هي "حزب الجبهة الشعبية " الذي أصبح الكتلة الثالثة في تونس الشقيقة . و يشار الى ان الجبهة الشعبية هي عبارة عن ائتلاف سياسي يضم 11 حزبا وتجمعا يساريا وقوميا وهم حزب العمال بقيادة حمة الهمامي وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد والوطنيون الديمقراطيون بقيادة جمال الأزهر وحزب النضال التقدمي بقيادة محمد الأسود وحزب الطليعة العربي الديمقراطي وحركة البعث بتونس وحركة الشعب ورابطة اليسار العمالي وحزب تونس الخضراء والجبهة الشعبية الوحدوية والحزب الشعبي للحرية والتقدم والقطب الديمقراطي الحداثي والتيار الشعبي. السؤال المحرج هو لماذا لم يفكر اليسار المغربي وفيتوحيد نفسه ؟ إن التوازنات السياسية و الضرورة المجتمعية تحتم على اليسار المغربي بالإنخراط في مشروع الوحدة إستعداداللإنتخابات البرلمانية المقبلة و للمرحلة بما تحمله من إكراهات و نضال من أجل الكرامة و العدالة الإجتماعية. إن فكرة توحيد اليسار بالمغرب يسيرة بالمقارنة مع تونس ففي تونس هناك 11 حزبا و لكل حزب توجهات إيديولوجية في حين في المغرب نحن أما 8 احزاب فقط الإتحادالإشتراكي ، التقدم و الإشتراكية ، فيدرالية اليسار ( الإشتراكي الموحد ، الطليعة ـ المؤتمر الأتحادي ) النهج الديمقراطي ، جبهة القوى اليدقراطية ، الحزب الإشتراكي ، اليسار الاخضر ، حزب الإتحاد الوطني. إن اكبر عائق أمام تقدم مشروع وحدة اليسار هو الدينصورات المعمريين الذين لهم مسؤولية كبير ة في تشتيت اليسار . هؤلاءالمعمرين يجيب أن يحدوا حدو الأستاذ اليوسفي أن يستقلوا و يتركوا الشباب يوحد اليسار و إلا سيبقى اليسار كإسم وصنم و سيعم الظلام الدامس مغربنا الحبيب.إن اليسار يوجد بين تيارين تيار المخزن العتيق الذي يكبر و يستفيد من وضعنا المتشردم و تيار الأصولية المتنامية في العدالة و التنمية و أحالفها العدل و الاحسان و السلفيين . فرغم إختلاف العدل و الإحسان و العدالة و التنمية في التوجهات الفكرية فقد تضامنوا فيما بينهم. مما جعل العدالة تكتسح الساحة الانتخابية. فالأصوليين سيختارون أقل الضرر في تصورهم و اقل الضرر هو من يقاسمهم جزء من تصوراتهم. في حين بقي اليسار يقاتل طواحن الهواء الدونكشوطية الكثيرة هنا و هناك . إن المشروع اليساري لم يكتمل بعد ما زال لليسار مستقبل زاهر ينتظره كما قال إريك فايل بخصوص الفلسفة . اليسار ينتعش في أوقات الازمات اليسار يجب أن ينزل للشوارع و يحظر بقوة في الإحتجاجات فالمخزن يدمر اليسار لصالح القوى الأصولية لأنها لا تملك مشروع حداثي تقدمي لم يعد يهدف إلى إقتسام السلطة مع المخزن بل إلى تحرير السلطة . إن القوى الأصولية لا تهدف الا إلى السلطة المزيفة أو سلطة الواجهة . و هي مستعدة أن تدخل في جبهات مفتوحة مع اليسار بغية إضعافه و تقزيمه. لذلك فالآفاق القريبة لليسار المغربي ستتحدد تبعا في كنس معوقات الوحدة التي توجد بداخل اليسار نفسه ويمثلها مجموعة من القوى الإرتكاسية و الإنتهازيين . و بخارجه مجموعة من القوى المخزنية و مناصروها من الأحزاب الإدارية و من القوى الأصولية.أملنا في توسيع رقعت فيدرالية اليسار الديمقراطي لتشمل جميع الاحزاب اليسارية بالمغرب. و لو اقتضى الأمر تغيير أسماء الأحزاب بإسم واحد " جبهة اليسار الديمقراطي . "