حميد هيمة

ليس تاريخ السياسة في المغرب إلا تاريخ الدم المراق على مذبح السلطة! ذلك أن افتقار الأنظمة الحاكمة للمغرب، وبالتحديد السلالات التي استأثرت بالسلطة والحكم حسب العروي، جعل رموزها تتوسل إلى العنف لتصفية المعارضين بأشكال مختلفة، ومنها، على سبيل المثال، تعليق رؤوس رموز المعارضة في أبواب المدن، بل أن السلطة الموحدية، في "العصر الوسيط"، نفذت مذابح جماعية ضد مجموعات قبلية بكاملها فقط لشكها في ضعف منسوب الولاء للزعيم!

ويشير المرحوم د. لحسين بولقطيب، باحث في التاريخ الوسيطي، إلى أن المغرب تعرض لنزيف ديمغرافي جراء سياسة التمييز والاعتراف التي قادها، بشكل متعصب، أتباع ابن تومرت.

كما أن العنف السياسي، في كل اللحظات التاريخية الفاصلة، قد طال أفراد من الأسر الحاكمة، ويكفي أن نثير الانتباه، في هذا الصدد، إلى اغتيال حوالي سبع خلفاء من الموحدين في مرحلة الضعف لتي أعقبت هزيمة العقاب سنة 609 هـ.

في هذا السياق، يمكن إثارة الكثير من الأمثلة على استعمال العنف بين الأطراف المتصارعة على السلطة، ومنها مثلا سجلات اسماعيل العلوي ضد شقيقه رشيد أو ضد ابنه الذي حاول الانتزاء على والده.

وفي تاريخنا "الحديث"، المتنطع فعليا في الوصول إلى الحداثة!، لجأ النظام إلى العنف الممنهج لتصفية المعارضة الاجتماعية والسياسية المتجذرة في قلب المجتمع في إطار ما يعرف، حاليا، بعقود الجمر والرصاص. كما أن المعارضة لم تأل جهدا في الاستعانة بكل وسائل العنف، الممهور بشرعية الإيديولوجيا، لكنس نظام كانت تعتبره، لزمن طويل، لا شرعي ولا ديمقراطي.

وبهذا المعنى، فإن العنف السياسي في السياسة، في الفضاء المغربي، ليس حالة استثنائية، كما يحلو للبعض تمريره، بل هي جزء من بنية- نسق سياسي يعاني من أزمة "الشرعية" منذ تاريخ طويل: نقصد، هنا، الصراع العنيف والدموي حول الشرعية الدينية أو الأزمة البنيوية للشرعية الديمقراطية المفتقرة في النظام القائم!

وبذلك، فإن أحد جذور استنباث العنف "المادي" في الضفاءات الجامعية، التي تحتضن النشاط السياسي للطلاب، تمتد إلى السلوك السياسي ذاته للنظام.

فغياب الشرعية..وغياب العقلانية في السياسة، باعتبارها الممكن القائم على التوافقات بعيدا عن الحلول المطلقة، سيجعل العنف، بكل أشكاله، مرافقا للفعل السياسي. وسيتغذى هذا العنف بطبيعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تميل إلى الانتصار إلى الفكرة وعدم الانصات إلى الأخر!