يوسف الإدريسي

كريس كولمان هو شخصية مستعارة ارتبطت بتسريبات تفيد بتورط بعض الأسماء والمنابر الصحفية بالمغرب واضعة إياهم في دائرة الاتهام بتلقي رشاوي وتعليمات تصب في خدمة أجندات المخابرات المغربية عبر وسطاء لكتابة مقالات تنتقد المعارضين وتمجد السياسة الرسمية المغربية.

مناسبة هذا الكلام، وارتباطه بالفعل الإعلامي بمدينة اليوسفية، يأتي في سياق تجاذبات يشهدها الجسم الصحفي المحلي على خلفية بزوغ ملفات حساسة وحارقة تتأرجح درجة حرارتها بين مدّ مخيف وجزر جارف، يكاد يعصف بما تبقى من حصن إعلام مدينة مستضعفة هي في أمس الحاجة إلى جميع أركانها وأسسها المجتمعية، كي تسترجع نَفَس الحياة والإباء وتستنشق بذلك نسائم العزة والرقي والنماء.

لا نريد أن تكون وجهة "كريس كولمان" إلى اليوسفية ولا نبتغي لعنته أن تحل علينا، فيكفي ما يعيشه جسمنا من ترهّل وتشرذم أجهز بشكل واضح على أمله وتطلعه إلى إطار يجمع شتاته ويُخرجه من غيابات جبّ عميق يمتد عمقه إلى ترسبات ارتبطت بتاريخ يعود إلى ما قبل الكومبري، لم يعد هذا الجسد يتحمل "فيروسات" قاتلة استغلت دهنياته وسكرياته وجميع أصناف الفيتامينات لتخضعه إلى قدرها المزعوم وهدفها الملغوم، ليخلص إلى قرار إعادة تحديد معالم طريقه ومؤشرات أهدافه عبر الإلحاح في طرح سؤال جوهري؛ ماهو الدّور الحقيقي للصحفي؟ وكيف يجب أن يُؤطر العلاقة بينه وبين المؤسسات والأعيان؟ ماهو سقف التدافع؟ وكيف نميز بين الانتهازية والمهنية؟

في قاموس الإعلام الهادف، كشف الحقائق هو الغاية والوسيلة والبحث عن الدقائق هو الهدف والمبتغى عبر آلية إثبات الذات مع تحري الأداة، إنه التحدي الكبير والهدف الجليل إنه سر وجود الصحافة وكينونتها إنه عنوان آلامها وآمالها، هكذا اعتقدنا وعلى هذا تعاقدنا لأن المجازفة في بحر لجي عميق لم تكن اختيارنا بل اختيار الناس لنا واختيار الناس أفضل من اختيارنا لكن مواجهة العواصف والأنواء وموافقة الخصوم والأخلاء ضرب من التجديف أو الرهان الخاسر لأن الحقيقة قبل الوجود، وإن لم نحرص على استشراف مستقبل يليق بمدينتنا فتاريخها قد يُكتب بألف يد.

نريدها سلطة رابعة وليست سلطة راكعة تبرر الفشل وتسوغ الإخفاقات، نريدها مسؤولية أمام الله ثم أمام النفس وأمام المجتمع، نريدها صادقة دون التواطؤ والاسترزاق، نريدها بما هي صلة وصل في عمقها المجتمعي وصمام أمان في بعده الرسالي، نريدها آلية تهدف إلى لفت أنظار المجتمع قصد القيام بإجراءات للتحري عن واقعه وآفاقه، وتقديم سبل للخروج من أزماته حتى في أدق جزئياتها البنيوية غير الظاهرة.

فحينما تغيب المهنية يغيب معها مطلب الموضوعية؛ قطب رحى الإعلام الهادف وضابط توازن المجتمع، وعندما يطفو على سطح الفعل الصحفي عنصر الحزبية والمنفعة الذاتية والتعصب الإنتمائي تضيع بوصلة الرسالة الإعلامية الشريفة.