ذات مساء بارد بنادي الملعب المغربي (سطاد ماروكان) بالرباط كنت أتجاذب أطراف الحديث مع أحد أصدقاء الجامعة، كعادتنا، حيث كانت لحظة الحديث تدور حول مواضيع عامة، وفي إحدى اللحظات تذكرنا أحد الأصدقاء "الجيفاريين" (نسبة إلى تشي جيفارا) أيام المرحلة الجامعية، والحماس الشبابي والمراهقة الفكرية ...، حين كنا نلتقي (مجموعة من الطلبة من مختلف المناطق (مدن وقرى) الواقعة بشمال المملكة ومن مختلف التخصصات العلمية) بشكل يومي أو شبه يومي في إحدى المقاهي بمدينة مرتيل، حيث كنا نستمتع بمناقشة مواضيع تهم مجالات السياسة والدين والأخلاق والمجتمع ....، و ذات مساء تناول هذا الصديق، الذي تذكرناه في هذه اللحظة، مناقشة موضوع يتعلق بالقضية الفلسطينية والاشكالات المرتبطة بها، وبينما هو في صلب الموضوع وبخشوع وتركيز كبيرين، طرحت عليه سؤالا لم يكن من المتوقع على الإطلاق، حيث طلبت منه تحديد موقفه من النظام السياسي الإسرائيلي؟، وفي لحظة زمنية تحول المشهد من مناقشات حادة إلى سكون حاد، الكل يحاول استيعاب السؤال الذي ربما يطرح لأول مرة بيننا بهذا الشكل وهذه الصياغة، تردد قليلا ثم بدأ يحاول التنكر لهذا السؤال، من كونه غير صحيح و لا يمكن طرحه ولا حتى الإجابة عليه، على اعتبار أنه لا يعترف بدولة إسرائيل من الأساس حتى يعطي موقفه من نظامها السياسي، بالرغم من قيامي بمحاولات جاهدة مستعملا مختلف الطرق من أجل وضعه في صورة الافتراض، ولشدة إيمانه بالقضية والتمسك بها والدفاع المستميت عنها، ربما أكثر من بعض أصحاب القضية أنفسهم، لم يستطع أن يتخيل نفسه خارج هذه القضية ويحمل أفكارا غير القضية الفلسطينية.
بعد مناقشات دامت حتى شروق الشمس، لم نصل إلى جواب محدد حول طبيعة النظام الإسرائيلي، حيث طُرحت بدل السؤال مجموعة من الاشكاليات القانونية والسياسية والأخلاقية، من قبيل هل من المفترض مناقشة هذا الموضوع في إطار الدراسات القانونية والعلوم السياسية والعلاقات الدولية؟، أم أن تبنينا للقضية الفلسطينية أفقدنا حقنا في مناقشة كيف تكونت دولة في بضعة عقود من الزمن وأصبحت من أقوى دول العالم، والمرتبة الأولى اقتصاديا وسياسيا وعلميا ديمقراطيا في المنطقة المتواجدة بيها؟، كيف سيكون شكل المنطقة في حالة اتخذ العرب مثلا موقفا صارما في الجلوس مع إسرائيل ومناقشة حل الدولتين؟، كيف سيكون شكل المنطقة لو ضغط العالم الغربي المتقدم "الديمقراطي الحريص على حقوق الإنسان" على إسرائيل ودفعها للانسحاب من الأراضي المحتلة والسماح بقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشريف؟ كيف سيكون شكل المنطقة لو أن ما يسمى بمحور الممانعة توقف عن "دعم" القضية الفلسطينية وبدل ذلك عمل على دعم الديمقراطية والتنمية الاقتصادية لشعوبها بدل الاسترزاق عليها واستغلالها لقمع الشعوب؟
انتهت الجلسة وانتهى النقاش وبقيت القضية الفلسطينية محور القضايا، ربما كان الحماس الشبابي في مرحلة الجامعة مسيطرا علينا أكثر من الواقع في التعاطي مع مختلف القضايا الوطنية والدولية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، تمر اللحظات عابرة وسريعة .. ويبقى الإيمان بالقضايا العادلة ثابتا.
* باحث في مجال العلوم العلوم السياسية والعلاقات الدولية