مهما تكن فظاعة الأحداث و بشاعة مشاهد الدمار؛ و مهما تعاضمت التحديات و تراكمت العقبات، فلا يحق لنا البتة اليأس من العرب (كمفهوم جغرافي)... و لأنهم يتعرضون، منذ مدة طويلة (قرابة قرنين)، لهجومات شرسة من جميع الجهات، و لأن ثمة أمم جشعة متكالبة تحاول كسر شوكتهم حتى تجعلهم لقمة سائغة؛ باختصار، لأن القوى الامبريالية المتغطرسة تتدخل من أجل تشتيتهم، فالعرب لا محالة سيرفعون من جديد رؤوسهم... كل هذه الأحقاد الدفينة، كل هذه الدماء المسفوكة، كل هذه الحروب المرعبة اللاتنتهي، كل هذه الجرائم الوحشية المتواصلة، حتما، ستحاسبها، يوما ما، محكمة التاريخ، ولن يتم التغاضي عن هذا الظلم المرتكب، سرا و علنا، بذهاء ناذر و خبث ماكر في حقهم! طال الزمن أم قصر، ستنتصر فلسطين و سيتوحد العرب و للأبد، هم الذين جلبوا للعالم النور الساطع من خلال عبقريتهم القديمة. لا بد من الصدح وللمرة الألف بأن الاستعمار، أيا كان شكله الحالي، ليس سوى صدى بعيد للحروب الصليبية... وبالتأكيد فهو اليوم عاجز على مواجهة قوى القرن الحادي والعشرين الصاعدة.

لإنقاد اقتصاد رأسمالي دوريا مأزوم و لإعادة التوازن لسياسات اجتماعية كارثية، تعمد الأنظمة النيوكولونيالية بوقاحة لا فقط على فرض سياسات تفقيرية على الدول النامية عن طريق مؤسساتها المالية المتشعبة او تصدير الأسلحة الفتاكة، بل على إرسال فيالق من الجنود غالبا ما يتركون جتثهم مُتَحَللة في ساحة المعارك، متناسين، بطبيعة الحال، عِبَرَ الماضي الخطيرة،و كل النكسات السابقة! و لا تزال ماثلة في الذهن الحملات الاستعمارية في الهند الصينية (لنتذكر "ديان بيان فو") وهزائم امريكا في افغانستان و الصومال و العراق، الخ، بحيث يستحيل عدم أخذها بعين الاعتبار. غير أن السحرة الهواة و المغامرين بلا غد يواصلون تحريك الشعلة الملتهبة فوق كومة البارود الأسود، حتى لو أفْضى ذلك إلى تفجير الكوكب الأرضي بأسره.
****
أن يصفي العرب حساباتهم فيما بينهم، فذلك شأنهم ! لكن أن يجرؤ آخرون، خصوصا أولائك الذين استنبتوا من العدم دويلة إسرائيل في قلب العالم العربي، وهي ليست سوى ثكنة عسكرية كبيرة، على التدخل فيه و إشاعة الفتن و الفوضى فيه بغية نَهْبه و تقزيمه و إلتهامه شبرا شبرا، فذلك ما لا يجب قبوله. أن يتم منذ 1948 تشريد شعب من دون عقاب، فهذا ما يرفضه منطق التاريخ القاسي الذي لا ينكسر إلا على نتوءات صخرة الدهر القاطعة. و الشعب الفلسطيني، الذي جُرد من أرضه، ولكن ليس تماما من روحه، هو هنا لتأكيد ما تختزنه الذاكرة الإنسانية المشتركة... فما حدث لليهود، منذ أكثر من ألفي سنة، يحصل اليوم للفلسطينيين... ربما العالم الحالي هو بلا وَعْي أو ساهِ، غير أن الحقيقة الدفينة هي أنه ما سبق قط أن أُزيحَ شعب من أرضه أو تُرِكَ بِلا هوية، و لا تستطيع البشرية، مهما حصل لها من غَفْوة و غَفْلة، القَدْفَ بجزء منها في دائرة اللاوجود ! كل أولئك الذين قرروا هذا التشريد سيندمون عاجلا أم آجلا على الوجود السلمي للفلسطينيين، فسحقا للمخطئين، سحقا! هم إخوتنا، ودمهم المُسال دمنا! و الحروب التي تدمر الشرق الأوسط هي صراعاتنا ... نشعر بها بعنف، و تؤثر علينا جميعا.

أن يقوموا بغارات ليلية متوالية طيلة شهور لِدَك عواصمهم و ترهيب ساكنتها (بغداد، طرابلس، دمشق، غزة، الخ)، و أن يَقْصِفوا مُدنهم بالصواريخ الباليستية الهائلة التدمير و على بعد آلاف الكليومترات، أو بطائرات -B52 و "الشبح "،الخ – أن يُعْدَم رؤساؤهم في أعيادهم الدينية أو يُسَمموا، أو يُقْتلوا رميا بالرصاص و تُسْحَلَ جُتَثُهم بلا أدنى حُرمة أو يُقَنْبَلُوا في مقراتهم عملهم بواسطة قدائف ذكية أو يُساقوا للسجون صاغرين، الخ، فهذا لا يجوز قبوله مطلقا. أن يُهَددوا بلدا عربيا (العراق) بمَحْوه من الارض بأسلحة نووية،فهذا ما لا يجب السكوت عنه، أبداَ، مهما بلغت بنا درجات التضعضع.
****
نسوق هذه الاعتبارات لنتوجه بالقول الصريح الى أولئك الذين يعتقدون أنهم يتحكمون في مصير كوكب الأرض؛ الذين ينبغي عليهم إعطاء نموذج في الحكمة الحقيقية تُحْتذى به جميع الشعوب، أولئك الذين يخطبون بلا نهاية حول السلام، و في الخفاء يشجعون على الحروب، و إذكاء النيران و إشعال الحرائق بدلا من حصر لهيبها، كل هؤلاء يجب أن يُعِيدوا النظر في فلسفاتهم وحتى مصالحهم.
أما بالنسبة للعرب، فيلزمهم الكف عن اسْتهداف المظاهر السطحية المُضللة؛ و التصرف مثل الكبار في هذا العالم الخطير و الوعي بجدية ألا خيار لهم غير الإتحاد الذي لا تشوبه شائبة ومن دون دوافع خفية، إنه الشرط الأوحد الذي يمكن من استبعاد أي إغراء في التفتت. و حتى يتمكنوا في يوم قريب من استعادة شرفهم الكبير الممرغ في الوحل، فلابد لهم من العودة إلى التقاليد (القديمة) الحاثة على التآخي والتضامن المجتمعي و عدم الشك في بعضهم البعض. هذا هو الثمن الذي به تستعاد الكرامة التاريخية-و حتى يعودوا الى ما كانوا عليه، اي رجالا أقوياء، فيجب على العرب أن يعيدوا شيئا ما قراءة الأساطير القديمة و أن يتذكروا نمط عيشهم الصحراوي وكيفية توظيف ماء المطر بحكمة (كما قال الملك الراحل الحسن الثاني).
(يتبع)