عمر بهوش

المكان: اذاعة '' اصوات المغربية''. الزمان: اسبوع قبل نهاية سنة 2014, الحدث: مسابقة لتحديد رجل سنة 2014 وقد كانت المقارنة بين ''المهدي المنجرة'' و ''سعد المجرد''. وتتم التصويت بالمكالمة الهاتفية او الرسالة القصيرة. فكانت النتيجة ان تفوق ''المجرد'' على ''المنجرة''. لكن قبل نتحدث عن هذه المغالطة التاريخية دعونا نقف بشلك موجز عن سيرة كل واحد.
المهدي المنجرة ذاك الرجل الذي لحقه شر سنة 2014 ورحل الى حيث سيذهب الجميع, ذاك الدكتور الذي جمع بين الفكر والاقتصاد والسياسة والفن والادب والحقوق وعلم الاجتماع وعلم المستقبليات..., ذلك الرجل الذي عرف توجهات وسياسات العالم وتنبئ بها وتحدث عن مستقبل شعوب ودول بناءا على ارقام واحصائيات مضبوطة. له مؤلفات فكرية غنية, صارت اليوم مرجعا مهما للباحثين في القضايا الاقتصادية والعلاقات الدولية والدراسات المستقبلية. شغل الرجل مناصب قيادية في عدة هيئات وطنية و دولية, والقى محاضرات في ارقى الجامعات الدولية في فرنسا وبريطانيا واليابان...
اما سعد المجرد فهو نجل البشير عبدو, مغني مغربي, صنعته القنوات الاعلامية و الاشهارية واضواء المهرجانات الغنائية والموسيقية, مشهور وله جمهوره الخاص ومحبيه في المغرب وفي دول الخليج... يعرف جيدا ما تحبه النساء وهذا ما جعله يطلق اغنيته التي اشتهر بها على نطاق واسع '' انت باغيا واحد ايكون دمو جامد...''
السؤال الذي يطرح قبل اي سؤال كيف يمكن لضمير حي ان يقوم بمقارنة بين مفكر من العيار الثقيل وبين مهرج اخرجته شركات الاشهار للاستئناس به كلما بارت سلعتها؟؟ من سيتحمل عبئ هذا الخطأ التاريخي؟ هل نلوم الاذاعة والاعلام والياتها المنتهكة لحرمة المفكرين ام المصوتين التائهين الجاهلين لحقائق الامور؟؟
لو كانت إذاعة ''أصوات'' والجهات التي تشتغل لحسابها, تريد مقارنة حقيقية موافقة لمنطق الاخلاق والواقع, لتعرف من سيكون ''رجل السنة'' لاختارت ''المهدي'' مع مفكر في مستواه الثقافي والفكري ك '' عبد الله العروي'' او '' طه عبد الرحمان'' او غيرهم من المفكرين. او تختار ''سعد المجرد'' مع من يتساوى معه في الدرجة والشهرة ك '' حاتم عمور'' او '' دنيا باطما'' او غيرهم من المغنيين...
لكن الطرق تختلف والحقيقة واحدة يعرفها الجميع الا من أبى او من أَضَلُهُ الاعلام المُدَلًسْ. فإذاعة ''اصوات'' تشتغل وفق المنهج الكمي وكل ما يهمها هو عدد المتصلين والباعثين برسائل قصيرة. وهكذا يزداد الربح ومعه اقتناص دراهم المكالمات الهاتفية للمصوتين ولا يهمها ان تقارن حتى بين أحقر البشر وأنبلهم. لأنه إذا جاءت بمغنيين وحدهم سيكون التصويت من طرف محبي الغناء فقط وبالتالي ستفقد دراهم المثقفين والعكس صحيح. لذلك اختارت هذا المنهج الذي ييسر الطريق الى جيوب المستمعين وليس كل المستمعين.
هنا لابد ان تراجع هذه الاذاعة أسلوبها في كيفية تقديم برامجها -خاصة- مثل هذه البرامج التي تمس برموز الثقافة و الفكر المغربيين والتي في نظري تستحق ان تبنى لها تماثل بالذهب. والحفاظ على سمعتها وصورتها اعترافا بما قدمته للإنسان المغربي والعالمي. ونتخذها نماذجا يقتدى بها في الفكر والثقافة. اما هذا الدبيب المتزايد من النكرات المفبركة اعلاميا فلن تزيدنا الا انحطاطا وتخلفا...
هنا لابد ان نستحضر مقتطفا من كلام ''المهدي المنجرة'' وهو يتنبأ بهذه الاهانة التي سيتلقاها شعوب العالم الثالث:''... يحق لنا على هذا الاساس ان نتحدث عن ثقافة الاهانة اي عن النظام السياسي- الثقافي- الذي يستغل انعدام المساواة في معادلات القوة بالداخل كما بالخارج.
الاهانة تتأتى من ارادة طواعية تستهدف خدش كرامة الاخرين وليس فقط السيطرة عليهم. انها من بين الظواهر الاكثر عولمة هذه الايام من لدن الذين يفرزونها ويرعونها.
انها كذلك من بين الظواهر الاقل عرضة للتنديد والاستنكار من لدن الحكام كما من لدن الشعوب المهانة كما من لدن الرأي العام الدولي...''
من العار ان تجف اقلام المثقفين الاحرار وتسكت عن هذا التزوير وهذا النصب الذي يمارسه الاعلام اللامسئول على مجتمعنا حتى اضحى الكل رمزا للغباء المرغوب فيه ووجدنا انفسنا في حالة من اللاوعي التي لا تنتهي ولم نعد نفرق بين الصالح والطالح, وفقدنا بوصلة تحديد المفكرين الحقيقين لننوه بهم ونكرمهم ونفصلهم عن البلطجية التي اوهمنا بها الاعلام المضلل, حتى اعتقد الجميع انها القدوة والنموذج. في حين انها لم تكن سوى كائنات تستغلها جهات معينة هدفها افساد الشباب وادماجهم في عالم الاحلام التي لن تتحقق الا بسلاح العلم والمعرفة.
مجتمعنا اليوم وخاصة الشباب, في حاجة الى بناء معرفي وعلمي قوي. يستمد اسس قوته من البحث عن حقيقة الاشياء ودراسة الوقائع. ليقولو لكل من يسعى الى اشياء مخالفة للحقيقة المنطقية والاخلاقية كفاك.
بدوري اقول للإعلام المضلل كفاك تدنيسا لعظمائنا ورموز مغربيتنا الحقيقيين. كفاك من التطاول على مثقفين والاستخفاف بمفكرين الذين افنوا اعمارهم في سبيل البحث عن الحلول للازمات التي نعاني منها, وأول ازمة تحتاج الى حلول عاجلة اليوم هي ازمة التضليل الاعلامي فلابد لها من حل.