أحمد عصيد

تلقينا في المرصد الأمازيغي للحقوق والحريات دعوة لحضور اللقاء التنسيقي المزمع تنظيمه بمقر منتدى الكرامة لحقوق الإنسان، يوم الاثنين القادم، ويهدف هذا اللقاء إلى خلق لجنة وطنية لدعم ضحايا الأحكام القاسية بالإعدام والتي أصدرها القضاء المصري في حق 529 معتقلا من "الإخوان المسلمين".
بعد تحية المبادرة التي تستحق الدعم والمؤازرة المبدئية، نعلن بهذه المناسبة الأليمة أن إعدام 529 إنسانا سيكون مجزرة وجريمة ضدّ الإنسانية، ونعتبر أن هؤلاء الأشخاص مهما كانت عقيدتهم أو انتماؤهم السياسي والمذهبي والفكري هم بشر ومواطنون يستحقون الحياة التي هي الحق الأول من حقوق الإنسان الذي لا يقبل المسّ به أو هضمه أو اغتصابه بأي عذر أو ذريعة مهما كانت، ونعتبر أن الأمر لا يتعلق بما إن كان هؤلاء السياسيون قد اقترفوا أخطاء أو جرائم أو اعتداءات ضدّ غيرهم أم لا، بل يتعلق أساسا بمبدأ حفظ الحياة الإنسانية واحترامها.
ولهذا نجد في هذه النازلة فرصة لطرح موضوع عقوبة الإعدام مع الإخوة الذين "تحفظوا" على المطالبة بإلغاء هذه العقوبة، التي نعتبرها مسا بالكرامة الإنسانية وبالحق في الحياة الذي لا يملك أحد حق اغتصابه مهما كان موقعه وسلطته.
جاء في الدعوة ما يلي:"نتشرف بدعوتكم إلى لقاء تنسيقية الوقفة الوطنية ضدّ الأحكام الجائرة في حق 529 مصري من طرف قضاء الانقلاب في مصر".
تطرح هذه الصيغة مشكلتين اثنتين: الأولى أن المعنيين بالوقفة والتضامن هنا هم من "الإخوان المسلمين" تحديدا وليس بينهم أفراد آخرون محكومون بنفس عقوبتهم، غير أن الدعوة ذكرتهم بأنهم مصريون. والثانية أن الذي حكم عليهم ظلما بهذا الحكم الجائر ليس القضاء المصري بل "قضاء الانقلاب"، حسب تعبير أصحاب الدعوة، معنى هذا أن من حقنا أن نتساءل ما إذا كان المبادرون بهذه التظاهرة بالمغرب سيحتفظون بنفس الموقف لو كان المحكومون بهذه الأحكام القاسية والمدانة مواطنين من غير "الإخوان" من جهة، وما إذا كانوا سيحتفظون بنفس الحماسة للدفاع عنهم لو صدرت الأحكام عن قضاة غير "قضاة الانقلاب".
الجواب معروف طبعا، فهذه ليست أول أحكام الإعدام التي تصدر في مصر، وليست أولى المهازل التي ترتكب في محاكم أرض الكنانة، والتي لم تتحرك نفس الأطراف للتنديد بها رغم غرابتها وظلمها الذي لا ينكره عاقل.
يتحفظ إخواننا على إلغاء عقوبة الإعدام لأنهم لا يشعرون بفداحة سلب الحياة من إنسان قد يكون بريئا تماما، أو لأنهم لا يجدون في المرجعية التي يعتمدونها ما يبرر عدم القتل، أو لأنهم يعتبرون القتل قرارا يتجاوز البشر ولا يستطيعون إبطاله، لكنهم اليوم واعون أكثر من أي وقت مضى بفداحة الحكم بالإعدام، ويتمنون لا شك أن لا تطبق هذه الأحكام بسرعة لكي يجد الـ 529 شخصا فرصة للإفلات من القتل والحفاظ على الحياة وإثبات براءتهم، أو على الأقل لكي يتمكنوا من البقاء أحياء إلى حين تغير بعض العوامل التي أفضت بهم إلى ذلك المصير المحزن.
هذه المشاعر التي قد تراود إخواننا الإسلاميين المحافظين، هي نفسها التي تراود يوميا أسر وعائلات المحكومين بالإعدام في الكثير من بقاع العالم.
يظهر هذا الحدث بوضوح أهمية إلغاء عقوبة الإعدام، فالمبادرون من التيار الإسلامي بالتضامن مع "الإخوان" المحكوم عليهم، يعتبرون أن الـ 529 شخصا مظلومون تعرضوا لمحاكمة غير عادلة، ونحن أيضا نرى بأن ظروف المحاكمة والاحتقان السياسي الذي تمت فيه وأنواع التحريض التي تم اللجوء إليها من طرف النظام، كلها مظاهر تشير بما لا يدع مجالا للشك إلى أن السلطات المصرية كانت تنوي مع سبق الإصرار والترصد التخلص من هؤلاء السياسيين وليس محاكمتهم ومعاقبتهم، مما يعني أن محاكمتهم في تلك الظروف الاستثنائية لم تكن عادلة بجميع المقاييس.
ونحن إذ نقف بجانبهم وندين جلاديهم لا نفعل من نفس منطلقات من يخصهم دون سواهم بالدعم والتضامن، بل نفعل من منطلق إنساني يرى أولا وقبل كل شيء بأن القتل وسلب الحياة انتقام وليس عقوبة، وبأن الحق في الحياة حق مبدئي ينبغي أن يصان، وبأن المتهمين قد يكونون أبرياء فعلا وقد يعجل حكم الإعدام برحيلهم قبل أن ينتبه الجميع إلى أنهم كانوا ضحايا حسابات سياسية، وبأن الإعدام ينتمي إلى نوع العقوبات الجسدية التي أدانها الضمير العالمي والمنتظم الدولي لحقوق الإنسان بسبب وحشيتها وعدم تلاؤمها مع السياق الحضاري الذي تعيشه البشرية، وبأن هذه العقوبة لم تكن قط من تقاليد المغاربة الذين كانوا يبطلونها في القبائل المنتشرة في كل ربوع المغرب ولا يعملون بها ضمن قوانينهم العرفية.
أليست هذه البراهين كافية من أجل أن ينضم إخواننا الإسلاميون إلى الحركة الحقوقية العالمية الساعية إلى إبطال هذه العقوبة الجائرة ؟