أثارت اعتداءات باريس الأخيرة والتي أودت بحياة عدد كبير من الفرنسيين وغير الفرنسيين تنديدا واسعا وتحسر العديد منا على المستوى الذي بلغته وحشية وهمجية الإنسانية في كل أرجاء العالم وكيف أصبحت النفس البشرية رخيصة ولا تثير شفقة أحد، كما تباينت بشأنها وجهات النظر حول الإنتقائية التي تميز تضامننا وتحركاتنا وبالتالي الأختلاف حول طريقة التضامن التي يجب أن نعتمدها مع ضحايا هذه الإعتداءات على غرار تفاعلاتنا مع ما يحدث من قتل وتنكيل في باقي بقاع العالم خصوصا وأن من بين المجازر والإعتداءات التي ترتكب هنا وهناك ترتكبها القوى العظمى نفسها بآلتها العسكرية أو بمعية داعش والقاعدة في سوريا والعراق واليمن وليبيا ولبنان وأفغانستان.
موقف بعض المغاربة الذين عبروا عن تنديدهم لما وقع في باريس بتغيير صور بروفايلاتهم في مواقع التواصل الإجتماعي بعلم فرنسا وشاركوا في الوقفات التي نظمت في بعض المدن المغربية وحملوا معهم الورود وأضاؤوا الشموع حزنا على ضحايا فرنسا دون غيرهم من ضحايا العمليات الإرهابية في باقي أرجاء العالم، إنما هو تعبير باطني عن نفاق يتحكم في علاقاتنا ببعضنا البعض ومع الآخرين حسب مستوى وجاه وعظمة هذا الآخر وتجليات ذلك كثيرة.

لاتستغربوا إذن من مواقف البعض في تعاطفه مع فرنسا وأمريكا وبريطانيا، ولا تستغربوا من حملة #أنا_باريسو#أنا_فرنسا وإشعال الشموع في ليال العاصمة الرباط والدارالبيضاء ولاتستغربوا من خروج أغلب المؤسسات الدستورية منها والعمومية والأحزاب والتنظيمات السياسية وغير السياسية ببيانات استنكار وشجب لما وقع في فرنسا ووقوفهم وقفة رجل واحد ضد ما حصل لفرنسا من اعتداءات والترحم على أرواح الموتى وهي أمور نشاطرها معهم لكوننا نندد بكل ما يرتبط بالإرهاب والقتل ونحبذ مثل هذه المواقف طالما نعتبر أنفسنا إنسانيون ضد القتل بكل أشكاله وأنواعه وضد الظلم والإستبدادوالإستعمار ولكن ما يثير غيض وسخط العديد منا هي هذه الإنتقائية في التعاطي مع مآسي الآخرين من دول دون أخرى وشعوب دون أخرى ولزوم الصمت كلما تعلق الأمر بقتلى أو جرحى في دول أخرى غير العظمى كما وقع ويقع في لبنان وسوريا والعراق واليمن وميانمار وكينيا. وتفسير ذلك يمكن إيجاده في كوننا وبكل ببساطة منافقون بطبعنا.

فالتمييز في تعاملنا مع الآخرين بين وواضح للعيان، نحن لا نتعامل بنفس الطريقة مع الآخرين بحيث يظهر ذلك في أحزاننا كما في أفراحنا، وهو وضع نتشاركه كلنا بدون استثناء.إذ تختلف طريقة تعاطينا مع الآخرين حسب مستواهم ومرتبتهم الإجتماعية، فللغني طريقة تعامل تختلف كليا مع ما نتعامل به مع الفقير، وللمسؤول شكل خاص به في تعاملنا معه يختلف مع ما نبديه من احترام واهتمام لغير المسؤول، فتلك حياتنا التي تنعكس بشكل مباشر على الصعيد الدولي كلما تعلق الأمر بالتعبير عن مواساة الآخرين أو تهنئتهم بمناسبة أفراحهم واحتفالاتهم. ففرنسا ليست هي لبنان، وبريطانيا ليست هي سوريا، وأمريكا ليست هي الصومال، لكل مرتبته ولكل طريقة تعامل مختلفة من حيث الشكل والمضمون.
لنبدأ من الدولة في علاقتها بمواطنيها، ففي تعاملها مثلا مع مجالاتها الترابية تهتم بالمدن وتترك القرى والمناطق النائية لمعاناتها ولما تقاصيه، تهتم بالمراكز وتأجل تأهيل الهوامش لأجل غير مسمى. تهتم بالأحياء الراقية وتهمش الأحياء الشعبية والهامشية، تعير اهتمامها للواجهة وتترك المناطق الخلفية لحال سبيلها. تغدق على من هم في غنى عن مساعداتها وكرمهم وتنسى المحتاجين الذين لا يملكون من يدافع عنهم ومن لا قدرة لهم على لي أذرع الدولة. وهي كلها أمور تترسخ في أذهاننا ونعكسها في تصرفاتنا بلاوعي منا وبدون شعور.
في نفس السياق، نركز اهتمامنا على الأسلوب الواجب انتهاجه مع الضيوف حسب وضعيتهم الإجتماعية ومستواهم، فتجدنا نهتم بأدق التفاصيل ونستعد جيدا لاستقبال ضيوف أغنياء أومن مستوى راق، ولا نستعد بنفس الشكل كلما تعلق الأمر بأشخاص عاديون من مستوى أدنى من مستوانا أوأقل شأنا وجاها وسلطة. ويتجسد ذلك في هدايانا لهؤلاء، فهدية الغني الذي لا يحتاج لهدايانا ليست بنفس قيمة وثمن الهدية البسيطة والمتواضعة التي نقدمها لمن هم أقل شأنا أوفقراء.
وبالإضافة لهذه الأمور، ففرنسا باعتبارها المستعمر السابق للمملكة لايزال نفوذها يهيمن بشكل أو بآخر على الشأن الداخلي للبلاد وعلى اقتصادها وقوانينها المستمدة بشكل كبير من النظام القانوني لفرنسا، وهو ما ينعكس على مكانتها في النسق المجتمعي والمنظور الاستراتيجي للمملكة لكون فرنسا حليف استراتيجي له مكانته المتميزة في علاقات المغرب الخارجية.
هي صور من بين أخرى تشرح بشكل واضح هرولة البعض للتعبير عن تعاطفه مع ضحايا باريس بالشكل الذي لاحظناه وعدم تعاملهم بنفس الشكل مع ضحايا الهجمات الإرهابية التي تحدث في باقي الدول التي عانت وتعاني من ويلات الإرهاب التي يضربها بين الفينة والأخرى.
وهنا، قد نفهم موقف الدولة الرسمي الذي يعبر عن توجه جيواستراتيجي واضح للمغرب يعتمد بشكل كبير على الحليف الفرنسي في مجموعة من القضايا وهو أمر مشروع لا يجب غض الطرف عنه طالما أن مصالح البلاد العليا يجب أن تسمو على كل الحسابات الضيقة التي لا تخدم مصالحه، وقد نفهم كذلك تعلق البعض بالنموذج الفرنسي في مختلف المجالات وأبرزها المجالات القانونية والسياسية والإقتصاديةوالإجتماعية والثقافية وهو أمر طبيعي لكون جذور فرنسا لازالت متغلغلة في المجتمع المغربي، ولكن، وفي خضم كل هذا، نتمنى أن تتصرف الجهات الرسمية والطبقات المجتمعية كافة بنفس الأسلوب الذي تعاملت به مع هجمات باريس ومع ضحايا الإرهاب في كل بقاع العالم لأن النفس البشرية غالية ومقدسة كيفما كانت أصولها وملتها ولأن الله عز وجل قال: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) [سورة المائدة ـ الآية 32].
صدق الله العظيم