أحمد عصيد

تعمّ المغرب من أقصاه إلى أقصاه حركات احتجاجية متنوعة لفئات اجتماعية كثيرة، هدفها إسماع أصواتها في الشارع العام بعد أن فشلت كل مساعيها عبر المؤسسات، وأصبحت تواجه المجهول بتعريض أعضائها لمواجهات مع قوى الأمن تفضي إلى مآسي عديدة. فمن التظاهرات الطلابية إلى حركة المعطلين إلى تظاهرات العمال والفلاحين إلى النساء السلاليات إلى ضحايا المناجم ومافيات العقار ومسلوبي الأراضي والمهجّرين قسريا وضحايا البناء العشوائي والمضربين عن الطعام ومسيرات المنسيين والمهمشين ووقفات الحقوقين والأساتذة والحركة النسائية والحركة الأمازيغية وحركة المعاقين وأقارب المعتقلين، كل الأصوات التي بحّت من الصراخ تتناغم تحت سماء المغرب الذي يحتضن أبناءه دون أن يمنحهم الأمل في مستقبل أكثر أمنا وأمانا، وما يجمع بين الكل على اختلاف قضاياهم ومآسيهم ومعاناتهم التي تصل أحيانا حدّ السريالية والعبث هو خيط رفيع من عدم الثقة في السلطة والمؤسسات وفي الوعود الحكومية ووعود المنتخبين، يشعر الجميع بأن الدولة تخلت عنهم وتركتهم لمصيرهم، فأصبح الملاذ الوحيد هو الشارع والمواجهات اليومية مع قوى النظام التي لا تعرف إلا لغة واحدة هي تنفيذ الأوامر، والعمل على تفريق الناس بالعنف. 
والخطير في هذا الأمر أن المسئولين الرئيسيين عن هذه الأوضاع المتوترة لا يعيرون اهتماما بعد ذلك لما تفضي إليه الأمور، إن لم يقوموا علانية بتبريرها في خطب مقرفة تصل في برودها حدّ اللاإنسانية.
من بين هذه الفئات جميعها يعتبر المعطلون أكثرها عددا وصمودا وتواجدا في الشارع حتى أصبحوا جزءا من المشهد العام، ولعلّ مكر السلطة يدفع أحيانا في اتجاه التطبيع مع مظاهر الاحتجاج حتى تتحول إلى مشهد روتيني غير مثير للاهتمام، وأحيانا ما تتزايد أعداد المتظاهرين حتى تعمد السلطة إلى تفريقهم بكل أنواع التدخلات التي لا تتورع عن اقتراف العنف الوحشي والاعتقال والاعتداء العنيف المؤدي إلى الإغماء، وآخر إبداعات السلطات الأمنية ما أقدمت عليه يوم ما أصبح يسمى عند المعطلين بـ"الخميس الأسود"، وهو يوم الثالث من أبريل، حيث نصبت كمائن بطريقة مخطط لها وتدبير واضح وترصّد بهدف الإيقاع بالمعطلين المتظاهرين، الذين أصبح لهم منذئذ معتقلون تسعة، قدموا أمام قاضي التحقيق بصفتهم معتقلي حق عام، متابعين بتهم غريبة: "التجمهر المسلح، مواجهة القوة العمومية باستعمال العنف، العصيان، الإيذاء العمد الخطير عن طريق الرشق بالحجارة، ضرب وجرح موظفين عموميين أثناء مزاولتهم لمهامهم !" واللائحة معروفة لدى الخاص والعام.
إن انتزاع اعترافات المعطلين المتظاهرين تحت التهديد والتعذيب النفسي والجسدي وتلفيق المحاضر ومعاملتهم كالمجرمين، عوض معاملتهم بصفتهم مطالبين بحقوقهم عبر تنظيم الأشكال الاحتجاجية السلمية، هو ضرب من الاستخفاف بالدستور وبكل القوانين، إذ ترمي هذه الأساليب بشكل لا جدال فيه إلى إرهاب المتظاهرين وتقليص حضورهم دون النظر في قضيتهم وإيجاد الحلّ الأمثل لها، والذي من المؤكد أنه ليس الحلّ الذي اقترحه الحزب الأغلبي في الحكومة، الذي يبدو أن "شعبيته" الوهمية تمنحه قدرة عجيبة على الاستهتار بالناس وبمعاناتهم.
إن ما أقدمت عليه السلطة من اعتقال معطلين يعانون من ألم البطالة واليأس من انسداد الآفاق، ومحاكمتهم في ظلّ انعدام ضمانات المحاكمة العادلة، يحولهم رغم كل التهم الملفقة لهم إلى معتقلي رأي، لأنهم تم اعتقالهم بسبب انتقادهم لعجز الحكومة وفشلها في إيجاد مخرج مشرف يضمن لهم الحياة الكريمة التي يستحقونها. إن الحكومة ليست مطالبة بتحقيق المعجزات وتشغيل الجميع بعصا سحرية، لكنها ملزمة بالوفاء بوعودها التي قطعتها للمعطلين، عبر إيجاد أسلوب مرن يحترم أقدمية كثير منهم في النضال من أجل لقمة عيش، وليس التبجح بتدابير تقنوية على حساب الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية.