لحسن عبود

يجب ألا نبالغ في استغرابنا من المجازر الإسرائيلية وبشاعتها على أرض الاحتلال، ولا تصديق الكيان الغاصب وهو يتظاهر بالأسف عن قتل الأبرياء، ولا ينبغي استنجاده بالكلمات والدموع... فقتل كل عربي بالنسبة له إنجاز ومفخرة. وذلك جزء من عقيدته العنصرية.

فقد كتب مؤسس الحركة الصهيونية وصاحب قيام دولة اليهود على أرض فلسطين "تيودورهرتزل" قبل الغزو الصهيوني لفلسطين؛ "لـن يـكون للعرب سوى وظيفة القيام بالأعمال المنحطة، جمع القمامة وتطهير الأرض وتجفيف المنابع وملاحقة الثعابين..." وصورة الاحتقار هذه، هي الصورة العامة التي يحملها الصهاينة عن العرب. والتي تترجمها الوقائع على الأرض، لجعل الإنسان العربي يشعر بالدونية في علاقته بالإسرائيلي المتفوق..


لا شك هي علاقة خالية من أي رباط إنساني، صادرة من عدو تسلح بكراهية قاتلة لشعب أعزل. كراهية ينقلها بالوراثة ليذكر ضحيته بهذه الحقيقة مرارا، عبر اللجوء إلى همجيته المعهودة ليُعرف بنفسه؛ أنه كيان إرهابي مارق لا يحترم إنسانية الإنسان.

وغايته وراء ذلك أن نألف بوجود كيانٍ اسمه إسرائيل، نحمله في وعينا الجمعي بصفات القوة والجبروت... يسكن أرضا مسروقة من أهلها ويسعى من خلال رسم حدودها والاستيلاء على ما يرضيه من مساحتها أن يكون سيدها... تبعا لما يختلق من ظروف مع ما يصنع من حلفاء. ليغتصب حقوق أهلها عن طريق قتل الهوية والإنسان. لتحقيق غرض الإجلاء منها هدف الاستيطان. كي تفتح الأجيال أعينها على أن تلك الأرض أرضه. فهو يعلم باتساع ثقب ذاكرتنا نحن العرب وإهمالنا للتاريخ.. لكن على كل حال وإن كانت هذه النظرة مرفوضة بالمطلق، فلنقل عنها نظرة عادية مادمت من عدو اختلق خصما وعاداه شر معاداة..

يبقى الغريب والمستعصي على كل فهم، هو أن تستسيغ الأنظمة العربية هذه الممارسة تحت أي مبرر، لسبب إنساني وعربي وديني وتاريخي وهوياتي، وفوق كل هذا تمثل شعوبا رافضة لذلك... فالنظرة إلى العدو يجب أن تظل ثابتة بمعنى أنه الخصم والمعتدي، الغاصب والقاتل.. وهذا أضعف الإيمان.

لكن ما يثير الألم ويُدمي القلب، وإن كانت هذه كلمات لا تفيد. هو قحبنة بعض الأنظمة العربية في مواقفها، ويا ليتها التزمت الصمت في كثير من الأحيان وظلت شيطانا أخرس، فهي وإن تكلمت تظل خرساء. منذ زمن عرفناها لا تفيد... وربما نحملها ما لا تريد.

فيمكن للمرء وفق سرد بسيط أن يصل إلى النتيجة في سؤال: متى كان موقف الحاكم العربي تجاه قضية فلسطين في مستوى الحدث؟ مستوى المقاومة ورؤية الشعوب للقضية. بالطبع الجواب مؤلم. ويا ليت البعض وضع موقفه في مؤخرته بدون ثرثرة... فالتآمر بالصمت ثارة وبالتهاون ثارة، والذي هو حصيلة طبيعية تعكس طبيعة سلطتهم، الغير قادرة على تبني قضايا شعوبهم العادلة، يبقى أهون من التواطؤ المكشوف الذي ظهر هذه المرة على أرض الكنانة. والذي عبر عن تحول نوعي وغير متوقع تجاه القضية الفلسطينية. التي كل نظام عربي وصي عنها، بموجب العرف والقانون، وإرادة الشعوب. أحبوا أم كرهوا..

قد تجلى هذا التحول كما لا يخفى، في تبني الخطاب المضاد والرغبة المجنونة في القضاء كليا على المقاومة الفلسطينية، والذي جاء على لسان الناطق الرسمي باسم الجيش المصري هذه المرة، وفق فيديو مُسرب بالصوت والصورة وحركة سبابته التي تؤشر لحماس بالوعيد، وكما شهد أحد الصهاينة البارزين الذي قال مؤكدا، بأن "الحرب الجارية على غزة هي مصلحة مشتركة بين مصر وبين إسرائيل". ولنفهم من قوله أيضا، أن الناطق بلسان جيش مصر ليس أكثر من خرقة في يد الكيان الغاصب.. ولنفهم من الاثنين؛ أن العدو الحقيقي هو كل من يرفض الظلم والعدوان. وبأن كل شيء انقلب مع الانقلاب في مصر. بما في ذلك معاني الكلمات؟..

يعلم الجميع. أنه بعد عقود من قيام الكيان الغاصب على أرض فلسطين، والعرب في حالة انتظار؛ الجلسات تليها التوصيات..وتليها المؤتمرات حول تحريرها. بالتأكيد على الكفاح المسل

في مراحل سابقة وعلى دبلوماسية فاشلة مؤخرا، وبغض النظر عن الجدال الأجوف والتراشق بالكلمات بينهم كلما اجتمعوا عوض التراشق بالصواريخ مع العدو. كانوا على الأقل

يخرجون بموقف موحد تجاه قضيتهم المشتركة إلى وقت قريب، تعبيرا عن الثوابت التاريخية حول الموضوع وإرضاء لشعوبهم، وإن كانت مواقفهم يطبعها التمويه وقليل من النفاق أحيانا، والذي لا ينكر أحد أنه كرس تاريخ الهزيمة على أرض الواقع. 

لكن هذه المرة وبشكل سافر، تجاوز الأمر كل الخطوط السابقة مع ظهور خطاب غير مألوف في الساحة العربية، عبّر عن نفسه بلغة التآمر والوعيد على أهل غزة، ليخبرنا أن الانقلاب الذي ظهر على أرض الكنانة بمباركة غربية وعربية، والذي كان مخططا له بشكل مدروس كما تأكد بعد قيامه، هو نظام لقيط. ولا يخجل أن يكون كذلك...

مهد باتهام حماس بالإرهاب وقال أنه لا يطيقها عقديا ليصل إلى القول بوجوب تنحيتها، وقبلها اتهم الرئيس المُنقلَب عليه بالتخابر معها وعلى إثرها اتهم هذا بالإرهاب، وهكذا لم يكتف بانقلابه السياسي، بل أراد أن يقلب حتى المفاهيم بقاموس جديد من المعاني، بدلالة أراد أن يقدمها لمن يسلك وفق سلوكياته. سعيا منه لفرض رؤية جديدة ونمط تفكير جديد معادٍ للشعوب وللقيم. يجعل من الحق باطلا ومن الباطل حقا. ولخلق وهْم أن لجوء المستضعفين للكفاح المسلح غير مجدي، خوفا من أن تشملهم شرارته..

وهم بهذا لا يعكسون في واقع الأمر، سوى عجزهم عن فهم قوانين العدو الذي اتخذوه صديقهم الحميم. ولا فهم قوانين الاجتماع البشري والتاريخ التي تؤكد أن العنف لا يواجه إلا بعنف ثان، عنف عادل ضد عنف ظالم.. ولا القدرة عن مسايرة التعامل الأمريكي الصهيوني بكفاءة دولية... فبعقليتهم القصيرة النفس وجبنهم الميداني وخشية فضح استبدادهم، تجدهم دائما يفضلون الاستكانة عن المواجهة. بل ارتقواهذه المرة إلى الهجوم على الضحية انسياقا وراء الطروحات الصهيونية..
فها هو السيسي الذي حذر من خطورة حماس، يُخابر علنا إسرائيل. ليس لصالحٍ ما، وإنما ضــد. لأن إسرائيل تنسجم معه عقديا كما يفهم من كلامه وكما يتضح من سلوكياته، وكأن التآمر على المقاومة ليس إرهاب دول.. ولا يرى أن ما تفعل إسرائيل بأطفال غزة جريمة حرب. فكيف يعتبر ذلك وهو فعل بأبناء جلدته أكثر من ذلك في رابعة الدموية. وباقي ربوع مصر ولا زال..؟
والحقيقة أنه ليس وحده في هذه المعركة، معركة قلب الثوابت. بل يعكس رؤية كل من اعترف به ودعم انقلابه.

هكذا يقول لنا النظام الحالي في مصر، أن العدوان الذي تدور رحاه حاليا على غزة. ليس اختيار أسياده الصهاينة فقط، وإنما أيضا عربي بقيادته. طالبا منا أن نفهمه بالغمز تارة، وبالكلام تارة أخرى.. وأن مَن خلفه تنقصهم فقط جرأة الصراحة في هذا الباب. فهو الصريح، يتقدم لهم حمارا للركوب وقتما أرادوا.. كيف لا وهم من أرادوني رئيسا لأم الدنيا، يقول لسان حاله، لأكون أبوها. فببركتهم أجلس رئيسا. "وإسرائيل وأمريكا عيزِنـِّي"..

ويبقى الحمار أشرف منه ومن إعلامه المسعور الذي قل نظير عدوانيته حتى فاقت كراهية العدو الحقيقي. وليسقط القناع عن القناع برغبتهم المجنونة في نزع سلاح المقاومة. يا للغرابة؟ هنا يتساءل المرء، هل عرف التاريخ شعبا صودر حقه في تقرير المصير والعيش كإنسان ولم يلجأ إلى السلاح؟؟ جنوب إفريقيا وفيتنام والجزائر...أمثلة واضحة في هذا الباب. بل إن التأكيد على رفع السلاح حق لكل شعب يعترضه استعمار. ناهيك عن فلسطين التي تتعرض لأخطر أنواعه، استيطان ونفي وإجلاء يسبقه اعتقال وحصار وتشريد...

وهناك سؤال مخزي آخر على كل مُعادٍ للمقاومة، ما بديلكم؟ ماذا قدمتم لفلسطين غير مزيد من التهويد والحط من قيمة الإنسان العربي، بمواقف مفلسة تكرس التفاوض بأسلوب عشائري عوض مسايرة ألاعيب الصهاينة على المستوى الدولي...

... وفي النهاية يأتي التباهي بإعادة الإعمار لإبراز من يدفع أكثر. لم السماح بالجرح حتى نضطر للبحث عن الضمادة؟ ويبقى الأسف والبكاء والتنديد. وما فائدة هذا والواقع أزمة فعل؟...
خزي وعارأن يسرق نظام موقف شعبه؟ وأن يصرف أمواله لتكديس أسلحة تظل مركونة حتى يصيبها الصدأ. أو تفرغ في صدر من سولت له نفسه طلب حريته... حقيقة مُـرّة يقولها لنا التاريخ؛ "الغرب يقتل عدوه. والعرب قتلة شعوبهم"...

خـزي وعار أن نلوم المقاومة مهما كان الاختلاف في الرأي معها، فالفلسطيني هو صاحب قضية، ونحن إخوة فيها مهما بلغ تطرفنا.. وخيانة الأخ في القضية، هي خيانة للقضية... لكن مهما يكن ففي النذالة التي وصل إليها السيسي ومن خلفه توجد إفادة للتاريخ.. وتبقى المقاومة.
ولا تلوموا إسرائيل وحدها، ففي محيطها بيئة عربــية متصهينة حاضنة.