بديل ــ مصطفى كرين

في هذا المقال المثير، يكشف صاحبه، مصطفى كرين، رئيس المرصد الوطني للعدالة الإجتماعية، بعض النقاط التي أثارها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، والتي تُهدد - في نظر كرين- شرعية الحكم في المغرب، من خلال مفهوم التصوف وعلاقته بالشرف.

كرين، "هاجم" الوزير التوفيق، من خلال تحليله للمفهومين، وتأكيده على أن نظرة الوزير للتصوف والشرف قد تؤدي إلى المساس بالشرعية الدينية للسلطان والمرتبطة أساسا بكونه سبطا للرسول بل قد يتجاوز ذلك للمساس بالشرعية التاريخية للدولة المغربية المتعددة الروافد.

ورصد مقال كرين، نقطتين مثيرتين في إحدى مداخلات الوزير التوفيق، وهما أن " الشرف والتصوف أقاما صرح الأمة والمجتمع والدولة المغربية منذ عقود خلت"، و"عدم وجود سمة عرقية أو دموية للشرف من ذرية الأنبياء وإنما هو سمو العدل على والظلم"، حيث ساق الكاتب أدلة نصية لتفنيد ما قاله الوزير.

وهذا نص المقال كاملا:

كم تمنيت أن أكون قد أسأت فهم الرسائل الواردة في مداخلة السيد أحمد التوفيق في موضوع " الشرف والتصوف " ضمن فعاليات معرض " المغرب الوسيط، امبراطورية بين أفريقيا وإسبانيا "، إلا أن وضوح العبارات الواردة على لسانه كما تناقلتها وسائل الإعلام لم يترك لدي أدنى شك في أن السيد الوزير لم يستوعب ربما طبيعة اللحظة وجلال ورمزية الموقف وعظمة الجهد المبذول . 

لقد كنت أنتظر أن تشكل محاضرته مرافعة في البناء الفكري للنموذج الإسلامي المتسامح والمتحضر والمتميز والمتطلع للمستقبل والذي يجسده المغرب في مقابل إدانته للفكر الهمجي المرتكب باسم الإسلام والمتمثل في النموذج الداعشي بما يشكله من خطر على الإنسانية جمعاء سواء في العالم العربي أو أفريقيا التي يتحمل المغرب جزءا كبيرا من استقرارها وأمنها الروحي .

ففي الوقت الذي يحتل فيه مفهوم الشرف - شرف الانتماء إلى آل البيت - مكانة مركزية ومرجعية كونية ثابتة في النموذج المغربي الذي يشكل طوق النجاة بالنسبة للعالم العربي وإفريقيا بقيادة أمير المؤمنين وسبط الرسول الأمين، ينتصب النموذج الداعشي بالترويج لخلافة إسلامية مزعومة مدعيا اجتماع الأمويين والعباسيين في المدعو أبا بكر البغدادي لكون أمه دمشقية من جهة ولكونه بغداديا من جهة أخرى – وهو ما يفسر تسمية دولة الإسلام في العراق والشام - .

السيد أحمد التوفيق الذي يفترض فيه تحمل مسؤولية تثبيت الأمن الروحي على امتداد الإمبراطورية الشريفة على أساس النموذج المغربي الذي بات يلهم كل العالم الإسلامي , فضل ودهاء واضح تجاهل كل هذا التحدي و الركوب على المناسبة لينزلق نحو خطاب يمكن أن يؤدي إلى المساس بالشرعية الدينية للسلطان والمرتبطة أساسا بكونه سبطا للرسول الكريم بل قد يتجاوز ذلك للمساس بالشرعية التاريخية للدولة المغربية المتعددة الروافد .

فقد اعتبر السيد الوزير أن :

1- " الشرف والتصوف أقاما صرح الأمة والمجتمع والدولة المغربية منذ عقود خلت".

وإذا كان من الواضح أن إضافة كلمتي " الأمة والمجتمع " إلى هذه الجملة هي فقط من باب التمويه اللغوي فإن ما يعنيه السيد وزير الأوقاف فعلا هو أن الدولة المغربية أو بالأحرى : الإمبراطورية الشريفة مدينة بوجودها للمتصوفة ولم تكن لتوجد لولاهم كما أنها لن تستطيع الاستمرار إلا بمباركتهم , وهذا في تصورنا تهديد مبطن لشرعية الحكم في المغرب . يا لها من إساءة للدولة المغربية وللتصوف المغربي الذي زج به السيد الوزير في خندق ضيق ، وخصوصا حين يتكلم عن" عقود خلت " فإن هذا التهديد يصبح متعلقا بالدولة المغربية المعاصرة مباشرة وليس بالدول التي توالت على حكم المغرب الأقصى عبر التاريخ أي الموحدية أو المرابطية أو المرينية التي انتهت منذ قرون .

فهل يريد السيد التوفيق من خلال كلامه إقناعنا بوجود شرعية دينية في هذا البلد غير تلك التي يكنها الشعب المغربي للملك بصفته سبطا للرسول صلى الله عليه وسلم ؟ أم لعله يريد منا أن نفهم أن الشرعية الدينية للسلطان مستمدة أو تتطلب مباركة من نوع ما من طرف جهة معينة ؟ خصوصا حين يضيف في كلمته أن التصوف هو " التقيد بواجبات الدين وأحكام الشريعة وبمحبة مقام الرسول الكريم" وهو ما يمكن أن نفهم منه أن من ليس ملتزما بواجبات الدين وأحكام الشرع الإسلامي ومحبة الرسول إلا من شهد له المتصوفة بذلك . وبالطبع في حالة العكس هناك ما قد يترتب عن ذلك .

ثم كيف لسعادة الوزير أن يساوي بين دور الشرفاء ودور المتصوفة في بناء الدولة المغربية الحديثة وكيف له أن يقصي ضمنيا كل الروافد الأخرى, الأمازيغية منها و اليهودية والأندلسية وحتى الحركات السياسية المعاصرة بكل تلاوينها ؟ 

2- من جهة أخرى قال السيد أحمد التوفيق أنه  "ليس هنالك أي سمة عرقية أو دموية لهذا الشيء الذي نسميه بالشرف من ذرية ألأنبياء وإنما هو سمو العدل على والظلم"، هكذا بكل بساطة.

ألا يقول سبحانه وتعالى : " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم على العالمين * ذرية بعضها من بعض " - آل عمران الآية 33 ، وأسائل السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية عن معنى الاصطفاء هنا منذ عهد آدم ونوحا وإبراهيم أي في وقت لم يكن فيه للتصوف وجود ؟ وخصوصا حين يذكر تعالى في هذه الآية : آل إبراهيم هل يخفى عن السيد الوزير أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الملقب كذلك بالمصطفى هو من آل إبراهيم وأن محمد السادس من آل محمد صلى الله عليه وسلم وهو بذلك - بحكم مسؤوليته كأمير للمؤمنين - مشمول بالاصطفاء ؟

ولكن السيد الوزي، إمعانا منه في التدليس اللغوي يذهب إلى أبعد من ذلك ليدخل في عملية قرصنة للشرف لصالح التصوف من خلال تصريحه بأن الشرف " ليس اصطفاء مبنيا على العرق والدم والجنس بل هو مبني على تميز روحي " وبالطبع سيقول لنا السيد التوفيق فيما بعد – ربما في محاضرة أخرى - أن التميز الروحي هو التصوف وبالتالي فالتصوف هو الشرف بعينه وبناء عليه فهو قوام الدولة المغربية وسينتقل من خلال ذلك إلى المطالبة بمطلق الشرعية في الحكم .

ولكني أقول له أليست هذه الشرعية في الحكم هي ما ورد في قول الله سبحانه وتعالى في سورة الحديد الآية 25 حيث يقول :

" لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ "

فليتأمل السيد التوفيق في كلمتين وردتا في هذه الآية : الميزان والقسط في علاقتهما بالأنبياء وفي علاقة كل ذلك بالاصطفاء والذرية وبالشرف وبالعدل وعلاقة كل ذلك بالحكم وبمفهوم الدولة الحديثة .

أليست " الميزان " و" القسط " كلمتان تدلان على العدل ؟ أم أن العدل الذي يعنيه السيد الوزير حين قال أن " الشرف هو سمو العدل على ألظلم " , مختلف عن العدل كما ورد في القرآن ؟

يبدو لي بعد كل ما سبق أننا أمام تصريح سياسي مبطن بالتهديد والوعيد بل ربما عملية ابتزاز سياسي أو شيء من هذا القبيل .