كريم الزياني

حفظكم الله مني ومن صديقي فصيل، كاد هذا الصباح أن يستقطبنا أحد الدعشاء المغاربة مقيم ببلجيكا في فخ تعبئته للقنابل البشرية التفخيخية لبناء مشروع وهم الخلافة التي طال أمد عودتها.

فبينما نحن في تنقل بين منطقة أيث عبد الله قاصدين مدينة الحسيمة، توقف سائق الطاكسي ليركب شاب أنيق المظهر، ملقيا تحية السلام، لنرد عليه بمثلها، وفي يد مفتينا الذي لم نكتشف عنه بعد شيئا هاتف ذكي، من ماركة سامسونغ كَالاكَسي محشو بالسماعات “سناطات” موصولة بأذنيه.

بعد دقائق قليلة نزع السماعات من أذنيه وتوجه إلينا بكلامه وهو يقول: سبحان الله كنت أستمع الآن لقصص الأنبياء الذين عانوا كثيرا أمام الكفار في تبليغ رسائلاهم، ونحن اليوم وجدنا الاسلام بين أيدينا ومع ذلك لا نبالي به، ولا نأخذ به كنمهاج لحياتنا وشريعة لدنيانا” وأضاف عند وصولنا إلى منطقة أيث قمرة “في يوم من الأيام كنت أنا وأخي وصديقي نازلين في هذه المنطقة قصدناها لصلاة الجمعة، توقفنا بسيارتنا “كاط كاط” نزلنا ودخلنا المسجد، وعند دخولنا تفاجأنا عندما وجدنا المسجد فارغا لا مصلين فيه، مع العلم أن المساجد يوم الجمعة تكون ممتلئة عن آخرها، جلسنا حتى أذن الظهر فصلينا، وعند إنتهائنا، قصدت الفقيه وسألته: ما هؤلاء القوم يا شيخنا؟ المساجد فارغة عن آخرها، أهكذا هو الحال دائما، رد الفقيه: نعم هذا هو حال هؤلاء القوم في هذه المنطقة…”.

ثم اننتقل “مفتينا” للحديث عن الضفة الأخرى في بلجيكا قائلا: ” الحمد لله في بلجيكا المساجد ممتلئة، عندما أقصد المسجد، لا أجد حتى المكان لتأدية صلاتي، وبالخصوص يوم الجمعة، وفي رمضان والأعياد…”..

هنا تدخل زميلي فيصل برسالة مجازية لا أعلم هل فهمها بالفعل “مفتينا” هذا لأنه لم يعرها أي إهتمام، قال صديقي موجها كلامه ل”مفتي” الطاكسي:”نعم، نتابع قوة إيمانكم هذه عن قرب، فقوتها تمددت لتصل إلى سوريا والعراق”.
“المفتي” أهمل رسالة صديقي وقال:”صراحة من لا يصلي كافر ولا إعادة نظر فيه، فنحن فضلنا الله وميزنا عن غيرنا من الكفار بالصلاة، الصلاة هي عمود الدين” كنت سأتدخل

هنا لأقول:”إذا كانت الصلاة عمود الدين فماذا يكون أساسها!” لكني تمالكت نفسي حتى أستدرجه إلى فخ الاعتراف بالارهاب التفخيخي العابر للحدود والعقول.
فبينما هو يتحدث ونحن نستمع إليه بتمعن، زاد في اعتقاده أننا لقمة سائغة مفيدة لمشروعه الدعوي التفخيخي، قد نكون غدا إلى جانب “أمير المؤمنين” في العراق والشام.
أضاف قائلا:”الحمد لله، كل شيء موجود عندنا في الاسلام، أي شيء يُكتشف اليوم هو موجود في قرءاننا…” هنا قاطعته بقولي: “إذا كان كل شيء موجود في القرآن كما تقول، فلماذا تقدم غيرنا عن المسلمين؟! كل شيء موجود في العلم لا في الكتاب، فالغرب الكافر والعياذ بالله الذي تتحدث عنه، وصل إلى ما وصل إليه بالعلم، وحرية العقل، لا عن طريق كتاب ما كما تفضلت بقولك سعادتك…”.

وبدأنا نسرد عليه تاريخ تطور الفكر العلمي في أوروبا، مع النهضة الأوروبية خلال القرن 15، والأشواط والمراحل التي قطعها هذا الفكر، مع حركة الاصلاح الديني بقيادة مارتن لوثر، ثم الثورات العلمية التي طعنت في شرعية ةقوة حجج الكنيسة، مع غاليلو غاليلي وكوبرنيكوس وإباتي وجوردانو برونو… وغيرهم من العلماء الذين عاشو صراعا فكريا مع سلطة الكنيسة، البعض منهم قتل على يدها وبعضهم أحرق وبعض آخر نفي…

ثم اننتقلنا إلى عصر التنوير مع كانط وغيره، ثم العقلانية والديمقراطية بكل موجاتها، ثم الثورة الصناعية والحداثة وما بعد الحداثة… فهل هذا يا شيخنا كان بسبب ما هو موجد في قرءاننا؟!

وانتقلنا إلى الضفة التي كانت سببا في كل هذا الصراع والتخبط والعبثية.. ضفة ما عُرف ب”العالم الاسلام” وتشكلاته الفكرية والطائفية والمذهبية، والصراع الذي عاناه العقل مع النقل الموصد بأقفال الجهل الذي حصن قلعة الفكر الديني التراثي الاسلامي.. الضفة التي ذهب ضحية فيها كثير من المفكرين العرب والعجم، هبين مَن قتل ومَن أُحرقت كتبه، ومَن سُجن حتى الموت…

كان “مفتينا” يعتقد أنه في نزهة عابرة، يقطف خلالها الورد الأحمر وما هو بورد لكن لونه أحمر، ثم يمضي ليوزعه على العلمانيين الملحدين الكفار الزناديق معارضي مشروعه الوهمي. خاب ظن مفتي الطاكسي وعاد بيدين فارغتين ملويا على فكره الانهزامي التفخيخي.