أحمد عصيد

كان الملك الحسن الثاني قد أشار في إحدى خطبه إلى ضرورة إقرار قانون يمنع المسؤولين عن المؤسسات العمومية من البقاء في مناصبهم لأكثر من أربع سنوات، لكنها فكرة لم تتحقق، من جهة لأن الكثيرين من المتحدث عنهم يشغلون مناصبهم بظهائر تصدر عن الملك نفسه، من جهة ثانية لأن الأمر لم يكن أكثر من غضبة من غضبات السلطان المعهودة على فلان أو علان، والتي سرعان ما تعود بعدها الأمور إلى ما كانت عليه من فساد واستبداد، وكأن الدولة لا يمكن أن تستمر بغيرهما.
اليوم تعرف مؤسسات الدولة كثيرا من الديناصورات والفراعنة، الذين يعطون عن أنفسهم صورة المسؤولين الخبراء المحنكين، في الوقت الذي ليسوا فيه أكثر من موظفين نسيهم الزمن ونسوا أدوارهم الأصلية، فأصبحوا من عثرات الدولة والمؤسسات.
لا يولد المرء فرعونا، بل قد يكون من أطيب الناس عند اقتعاده كرسي الرئاسة والمسؤولية، لكن يولد الفرعون داخله وينشأ بالتدريج بسبب توفر العوامل التالية، التي هي العوامل الطبيعية لنشأة الفراعنة:
1) يلعب عامل الزمن دورا محوريا حيث يجعل شخصية المسؤول تنتقل بالتدريج ـ ودون شعور من الشخص المعني ـ من الشخصية المحاورة المنفتحة المتقبلة للرأي والراغبة في الاستفادة من خبرات الآخرين، إلى شخصية متعجرفة متصلبة خشنة الطباع منفعلة بشكل يصل حدّ الفظاظة، ولهذا يلاحظ الناس على الفرعون كلما زادت مدة شغله لمنصبه أنه يتحول بالتدريج إلى شخص يعامل الناس المحيطين به باحتقار ظاهر، وكأنهم خدم في بيته، أو عبيد مملوكون له بالوراثة.
2) العامل الثاني أعوان السوء المحيطون بالفرعون الناشئ، وهم الذين يصورون له القبيح حسنا، والغلظة قوة، والإهانة تدبيرا ومهارة، والمقالب والخدع دهاء وذكاء، فيفقد الفرعون بالتدريج أخلاق الفضيلة، ويعتنق "الماكيافيلية" التي هي فنّ البقاء في المنصب، وعقيدة "الغاية تبرر الوسيلة" .
3) العامل الثالث أولائك المستعدون، بحكم تطبعهم بأخلاق "العبودية الإرادية"، أن يعرضوا خدماتهم على الفرعون حتى ولو اقتضى ذلك أن يطعنوا الجميع في ظهورهم.
4) العامل الرابع أن المكاسب المادية تعلم الفرعون أن الكرسي هو أولوية الأولويات، وليس الأهداف المعلنة للناس، ولهذا يعمل الفرعون ما بوسعه للحفاظ على موقعه، فيكثر بذلك ضحاياه.
5) العامل الخامس كراهية النقد والاعتقاد في الكمال، مما يجعل الفرعون يفاقم الأخطاء تلو الأخرى دون أن تظهر له أنها كذلك، حيث يقدم روايات مموهة عن كل واقعة، ينتهي دائما إلى تصديق صحتها هو نفسه، بعد أن يكون قد اصطنعها اصطناعا.
6) العامل السادس اعتماد التعليمات الشفوية والحرص على تجنب المكتوب، لأن هذا يمنحه إمكانية التملص من المسؤولية وتقديم أكباش الفداء من بين المحيطين به. وقد يصل في ذلك حد إنكار ما شهد الناس عليه جميعا، واعتبارهم ضحايا وهم جماعي.
7) العامل السابع السعي إلى زرع الفرقة بين العاملين تحت إمرته بتقريب الأتباع وإرشاء المريدين وإغرائهم بالمال والأعطيات، وخلق الشنآن من أجل مصادمة الناس بعضهم ببعض، حتى لا يتوحدوا ضدّه عند اتساع رقعة التذمر وتزايد الشكوى.
هكذا ينشأ الفرعون فكيف ينتهي ؟
تكون نهاية الفرعون سعيدة في النادر، مأساوية في الغالب، فإن هو أظهر التزلف والركوع لأولي الأمر غضوا عنه الطرف إلى حين، و إن تمادى في نزعته الفرعونية حتى يتشبه بأسياده عوقب بعد أن يضجّ الناس منه ويشتد لغطهم وشكواهم، فيعزله الحكام بسبب ما صار يمثله من تهديد للاستقرار وتشويش على خطاب الدولة.