تأملوا هذا الكلام.
يتميز مركز النظام السياسي المغربي (القصر)، في تعامله مع مطالب حركات وموجات الرفض والاحتجاج، بكونه غير مطالب بتحقيق تلك المطالب، وبالمقابل يتعامل معها، باستدراج العناصر المؤثرة ذات الامتداد الشعبي، وإدماجها في النسق السياسي العام. فتتحول بالتدريج من عناصر تؤطر الرفض والاحتجاج وتهدد توازنه إلى عناصر محافظة وتدعم هذا التوازن.
هذه ملاحظة واستنتاج قديمين نسبيا، وتعودان إلى عالم الاجتماع السياسي الأمريكي، جون واتربوري، في كتابه "أمير المؤمنين. الملكية والنخبة السياسية المغربية"، وهو الكتاب الذي صدر عام 1975، وأغضب حينها الدولة والأحزاب السياسية على السواء. ولم تصدر أولى طبعة عربية له إلا بعد 29 عاما.
هذا الأسلوب في التعامل مع الأخطار المهددة للنظام السياسي، برع فيه القصر منذ بداية ستينيات القرن الماضي، ولا يزال الواقع السياسي محكوما به منذ أزيد من نصف قرن. فقد استعمل مع حزب الاستقلال غداة الاستقلال، ثم مع أحزاب "الكتلة الديمقراطية" قبيل وفاة الملك الراحل، وأخيرا مع "الإسلاميين" أمام زلزال "الربيع العربي".
بعد الاستقلال، كان القصر يواجه مطالب حزب الاستقلال المهيمن آنذاك على الساحة السياسية، وتهديداته كانت جدية للملكية، ولم يجد الملك آنذاك، أحسن من استدعاء نفس هذا الحزب وقياداته، لتسلم الحقائب الوزارية.
وفعلا ضمن الحزب للقصر هدوءا، في فترة حرجة، قبل أن تتم استقالة أو إقالة الحكومة، ليتم تفجير الحزب فيما بعد، بعدما استدرج عناصر بارزة فيه، وألحقها بمناصب سامية.( عزالدين العراقي كان قياديا بحزب الاستقلال تقلد عدة مناصب رسمية قريبة من الحسن الثاني مثل وزارة التعليم، وذلك بعد انسلاله من حزب الاستقلال، ليتم تعيينه لا حقا وزيرا أولا سنة 1987) مشرفا على مرحلة مهمة من تاريخ المغرب الاقتصادي، والتي دخل فيها المغرب، عهد سياسة التقويم الهيكلي، والتي تراجعت فيها الدولة عن تدخلها في القطاع الاقتصادي، تاركة المجال للخوصصة، والتي كانت أهم نتائجها انفجار معضلة البطالة وتراجع دور الدولة في التعليم والصحة والتشغيل.

الخوصصة دشنها زعيم وافد من حركة احتجاجية رافضة وساخطة على الوضع، وأكملها وزير المالية السابق، فتح الله ولعلو، وهو بدوره زعيم وافد من صلب حركة احتجاجية أخرى اسمها "الاتحاد الاشتراكي".
ومع حلول عام 1993 دشن الملك الراحل الحسن الثاني، مفاوضات عسيرة وشاقة، مع زعماء "الكتلة"، كان هدفها الصريح، هو مواجهة "السكتة القلبية" التي تهدد المغرب، باعتراف الملك نفسه. ولم تنجح المفاوضات إلا بعد انتخابات 1998، خلالها وجد النظام السياسي، الشخص المطلوب، للمرحلة. ولم يكن هذا الشخص سوى الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي. فهو من توفرت فيه شروط المرحلة. إذ له امتداد شعبي واسع، وله علاقات مرنة مع جميع الأطراف السياسية.
أنقذ الرجل النظام السياسي، من مخاطر السكتة القلبية، وأنقذه من مخاطر انتقال الحكم من ملك إلى ملك، بعد ذلك تم الانقلاب على مبدأ "التناوب"، عادت الدولة لتوظيف التقنوقراط. كما تم استدراج قيادات وأطر وكفاءات محسوبة على أحزا الكتلة، وألحقها بالنسق السياسي، وغذت عناصر محافظة تدعم توازنه وتخدم اختيارات القصر.
ثالث نموذج هو النموذج الحالي، فمع هبوب رياح "الربيع العربي"، والتي كانت خطرا حقيقيا واجهه النظام السياسي، لم يجد القصر أحسن من عبد الإله بنكيران، القادم من حركات "الإسلام السياسي" التي شكلت أهم عنصر خطر بعد التفاف أغلبية الغاضبين الغاضبة على الوضع حولها. هذا القيادي وحزبه ونوابه ووزراءه، ضمنوا للمغرب هدوءا وتوازنا. كما جنبوه مواجهة حقيقية مع إسلاميين آخرين لهم مطالب جدية وشروط محرجة في ظروف كانت حرجة.
بنكيران وحكومته، أصبحوا أكبر مدافع، ليس عن الملكية، بل حتى عن المخزن، والملك ليس هو المخزن وهذا هو موضوع آخر.
ففي عهده تم اتخذ أقسى القرارات ذات الصلة بمعيشة المواطنين المشغلين منهم والعاطلين، ناهيك عن الحق في التظاهر والتعبير،. فلم يسبق في تاريخ المغرب، أن مس وزير أو مسؤول بمعيشة المواطنين وقمع المحتجين كما تم في عهد بنكيران. كما لم يسبق للمغاربة، أن رأوا زعيما سياسيا أو حزبا سياسيا حاكما، تعلو منه أصوات التهديد والوعيد في وجه المحتجين، وعبارات تصفهم بعبارات غير لا ئقة. " التسبب في الفتنة، دواعش، انقلابيون، شبيحة، صعاليك".
بمعنى أن بنكيران، ضمن للنظام السياسي هدوءا وتوازنا، وهذا الجميل أكمله وزاد عليه هو ونشطاء محسوبون عليه، بالاستعداد التام فكريا ونفسيا، لقمع كل معارض ومحتج. وقسم من الشعب أضحى يحمد الله أن الداخلية وقوات الأمن والسجون ليست من نصيب هذا النوع من التفكير "الإسلامي".
والخلاصة، هو أن النظام السياسي بالمغرب، لا يهتم بالاستجابة لمطالب الحركات والقوى التي تهدد توازنه، بمقدار ما يهتم باستمالة واستدراج العناصر القيادية المتزعمة، لدمجها في النسق السياسي، وتحويلها من عناصر خطرة إلى عناصر محافظة تدعمه.