إن إنتاج الدواعش، يخضع لتوافر شروط محددة: اقتصادية، واجتماعية، وثقافية، وسياسية، محكومة بتدين المجتمع، واستغلال ذلك التدين أيديولوجيا، وسياسيا، في التعامل مع المشاكل المختلفة، القائمة في الواقع، بمنطق ذلك الاستغلال، لإيهام المتدينين بأن (الإسلام هو الحل)، وبأنه (دين ودولة)، وبصيرورة قيام (الدولة الإسلامية)، التي تتخذ طابع (الخلافة الإسلامية،) التي تصير وسيلة ل (تطبيق الشريعة الإسلامية)، التي لا تتجاوز أن تكون أداة قمعية،لتأبيد الاستبداد القائم، أو لفرض استبداد بديل، يعمل على تأبيد حكم مؤدلجي الدين الإسلامي، ومحرفيه، ومستغليه أيديولوجيا، وسياسيا.

وإذا رجعنا إلى ما يحكم المغرب من فساد، واستبداد، ومن ادعاء إسلامية الدولة المغربية، والحكومة المغربية، وإلى البرامج الدراسية، والإعلامية المتبعة، وإلى ما يجري في مختلف المساجد المغربية، وفي مختلف المدارس المغربية، وفي مختلف الجامعات، فإننا يمكن أن نجزم بأن النسيج الاجتماعي المغربي، لا يمكن أن ينتج إلا الدواعش،ومن على شاكلتهم، خاصة وأن المجتمع المغربي، محكوم محليا، باتساع دائرة الأحزاب المؤدلجة للدين الإسلامي، والموظفة له أيديولوجيا، وسياسيا، لجعل الناس يعتقدون أن تلك الأحزاب، هي أحزاب دينية، تسعى إلى فرض (تطبيق الشريعة الإسلامية)، وبقوة الحديد والنار، مما يجعلنا نجزم بأن المناخ الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي في المغرب، لا يمكن أن ينتج إلا الدواعش. ولعل ما تقوم به حكومة بنكيران، وما يصرفه من خطابات مؤدلجة للدين الإسلامي، لا يشجع إلا على تدعيش المجتمع المغربي، الذي تصير دولة داعش قبلة له، كما يدل على ذلك كثرة الملتحقين بسورية، والعراق، من أجل الانخراط في (جهاد) دولة داعش.

ونحن عندما نطرح هذا الموضوع للنقاش، فلأننا نحرص على تجنيب الشعب المغربي، أن يصير أكثر من غيره،من شعوب المسلمين، إنتاجا للدواعش، وتغذية لدولة داعش بالمزيد من الأفراد، وبالثروات الهائلة التي تصب في حساباتهم البنكية، أو تحمل إليهم مباشرة، عبر وسطاء معينين، وصولا إلى جعل الشعب المغربي مستقبلا، لا يختلف عن دولة داعش، وجزءا لا يتجزأ من هذه الدولة على مستوى الفكر، وعلى مستوى الممارسة، وعلى مستوى إنتاج القيم.

وحتى نتجنب الانغماس في المستنقع الداعشي، من أخمص القدمين، إلى هامة الرأس، علينا أن نحرص على إنتاج مجتمع نوعي، على مستوى الفكر، وعلى مستوى إنتاج القيم النبيلة، وعلى مستوى الممارسة اليومية، المتسمة بالوضوح الأيديولوجي، والسياسي، وعلى مستوى بناء اقتصاد وطني متحرر يسعى إلى جعل الاقتصاد المغربي، في مستوى اقتصاد الدول المتقدمة، والمتحررة،وعلى مستوى الاهتمام بتقديم الخدمات الاجتماعية، ذات الجودة العالية، في مجالات التعليم،والصحة، والسكن، والشغل، والترفيه، وغير ذلك من الخدمات الاجتماعية، التي تقف وراء تقدم، وتطور المجتمعات، وفي جميع المجالات، وعلى مستوى الإنتاج الثقافي النبيل، والمتنوع، مما يجعل الإنتاج الثقافي مستجيبا لإنتاج القيم النبيلة، التي تتناولها اهتمامات الناس، لجعلها تصير جزءا لا يتجزأ من منظومة القيم النبيلة، التي تساهم، بشكل كبير، في بلورة الشخصية الفردية، والجماعية، وعلى مستوى الممارسة السياسية الحقيقية، التي لا تخرج عن كونها سياسة الحقيقة؛ لأن السياسة الحقيقية، هي سياسة الحقيقة، كما يقول الشهيد المهدي بنبركة، ومن أجل أن نتمرس على الوضوح السياسي، في جميع مجالات الحياة، من أجل جعل مواقفنا السياسية، محترمة لدى الرأي العام الوطني، والدولي، مما يرفع من مكانة الشعب المغربي على جميع المستويات، وفي جميع المنابر الدولية، التي تحرص على الوضوح السياسي في التعامل الدولي.

ولجعل المجتمع المغربي منصرفا عن إنتاج الدواعش، وعن المساهمة في الحركة الداعشية على المستوى العالمي، كما يحصل الان، وكما تتداول ذلك كل وسائل الإعلام الوطنية، والدولية، لا بد من:

1) جعل التعليم، والإعلام، والمساجد، أكثر بعدا عن إنتاج الفكر الظلامي، والترويج له، وإقناع الناس به، إما عن طريق المدرسة، أو عن طريق وسائل الإعلام المختلفة، أو عن طريق المساجد، التي تحولت جميعها، ولا زالت، إلى أوكار لإنتاج، وترويج الفكر الظلامي، الذي يساهم، بشكل كبير، في إعداد الدواعش، وتعبئتهم، وتجهيزهم للمغادرة إلى دولة داعش، أينما كانت، لحمل السلاح، وقتل المخالفين باسم دين الإسلام، وباسم الله أكبر، أو لممارسة (جهاد) النكاح،كما هو الشأن بالنسبة للنساء اللواتي يلتحقن بدولة داعش، لهذه الغاية، وقد كان المفروض تنقية البرامج التعليمية، من كل ما يؤدي إلى أدلجة الدين الإسلامي، كأساس لإنتاج الفكر الظلامي، وتجنيب الإعلام في مستواياته المختلفة، الخوض في الترويج لأدلجة الدين الإسلامي، أو للأفكار الظلامية، حتى لا يساهم في تدعيش المجتمع، وجعل المساجد مجرد مجال لأداء الصلوات. وما سوى ذلك، يجب تجنبه، وما يلقيه الأئمة من خطب يوم الجمعة، يجب إخضاعه للرقابة الصارمة، التي تجنبنا استغلال المناسبة الدينية، أي مناسبة دينية، لتمرير الفكر الظلامي إلى المجتمع، عن طريق أئمة يحرفون الدين الإسلامي.

2) إدراج كل ما هو تنويري، أو يساهم في عملية تنوير المجتمع، في البرامج التعليمية، في مستوياتها المختلفة، وفي البرامج الإعلامية، وفي البرامج الدينية، المعمول بها في مختلف المساجد، وخاصة في خطبة الجمعة،لضمان إعداد أجيال متنورة، وساعية إلى بناء مجتمع جديد، متقدم، ومتطور، بما فيه مصلحة الإنسان، ولا شيء غير الإنسان، الذي يتمتع بكافة حقوقه الإنسانية، التي تلعب دورا أساسيا في تأكيد كينونة الإنسان، ولضمان صياغة رأي عام سليم، ومنسجم مع طموحات الشعب المغربي، في تحقيق الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، ولتجنب صيرورة المساجد غير بعيدة عن الترويج للفكر الظلامي، الذي يخرب كينونة الإنسان، ويعمل على إنتاج الإرهاب المادي، والمعنوي، حتى تبقى مساجدنا مجرد أماكن لأداء الصلوات الخمس، ولنشر التنوير ببعده القيمي / الإنساني في المجتمع المغربي.

3) فصل الدين عن السياسة، حتى يتم الالتزام بمقولة: ما لله لله، وما للبشر للبشر،وتطبيقا لقول الهم تعالى: (وأمرهم شورى بينهم). وهذا الفصل يستهدف ما يدرج في البرامج التعليمية، في مستوياتها المختلفة، كما يستهدف ما يتم بثه في البرامج الإعلامية، المرئية والمسموعة والمقروءة والإليكترونية حتى يصير ما يدرسه التلاميذ في مدارسهم، والطلبة في جامعاتهم، وما يبث عبر وسائل الإعلام المختلفة، يكرس الفصل بين الدين، والسياسة، حتى يعتبر الناس أن أي جمع بينهما،لا يمكن اعتباره إلا تحريفا لمقاصد الدين الإسلامي عن مسارها الصحيح. ونفس منهج الفصل بين الدين، والسياسة، يجب أن يستهدف ما يجري في المساجد، فيما يتعلق بدروس الوعظ، والإرشاد، والأدعية، وخطب الجمعة، وغير ذلك، مما يمكن أن تكون المساجد مصدرا له.

4) تجريم استغلال الدين أيديولوجيا، وسياسيا، في مختلف المنشورات، بما فيها تلك التي تخص التلاميذ، والطلبة، وعامة الناس، من جرائد، وكتب، ومجلات، ومواقع إليكترونية،وصفحات التواصل الاجتماعي، حتى لا تعتمد تلك المنشورات، وسيلة لأدلجة الدين الإسلامي، وربطه بالسياسة، وتحريف المقاصد النبيلة للدين الإسلامي، وجعله ينتج قيما نقيضة للقيم النبيلة، التي كان ينتجها لقرون خلت. وهو ما يستوجب من المسؤولين الحريصين على سلامة الدين الإسلامي أيديولوجيا، وسياسيا، وصولا على فرض احترام ضرورة الفصل بين الدين، والسياسة، الذي يعتبر شرطا لاحترام جميع المعتقدات، التي يومن بها أفراد المجتمع، وخاصة في ديانة موسى، وديانة عيسى، والدين الإسلامي، الذي جاء به محمد بن عبد الله.

5) تجريم إنشاء أحزاب سياسية على أساس أدلجة الدين الإسلامي، ومن أجل أن تقوم الأحزاب المذكورة، بالاستغلال الأيديولوجي، والسياسي للدين الإسلامي،بهدف الوصول إلى مراكز القرار، والتمكن من دعم الاستبداد القائم، أو العمل على فرض استبداد بديل، حتى ولو أدى الأمر إلى قتل الشعب، أو تهجيره جملة، وتفصيلا، وتخريب كل المدن، والقرى، كما يحصل في سورية، وفي العراق، وفي ليبيا، وكما يسعون إلى ذلك في تونس، وهو ما يعني السماح بقيام الأحزاب والتوجهات المختلفة على أساس أدلجة الدين الإسلامي، مساهمة من الدولة القائمة في تلغيم مستقبل الشعب، اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، بانتشار الربط الجدلي بين الدين، والسياسة، الذي يشوش على المجتمع، ويقف ضد أي تطور، بدعوى مخالفته للدين الإسلامي، وانطلاقا من مصادقة المغرب على المواثيق، والاتفاقيات الدولية، المتعلقة بحقوق الإنسان، فإن المواثيق، والاتفاقيات المذكورة، تمنع قيام أحزاب، وتوجهات على أساس الاستغلال الأيديولوجي، والسياسي للدين الإسلامي، ولغيره من الأديان، والمعتقدات التي يعتقدها الناس.

ومعلوم أنه بجعل التعليم، والإعلام، والمساجد، أكثر بعدا عن إنتاج الفكر الظلامي، وبإدراج كل ماهو تنويري، أو له علاقة بالتنوير، في البرامج التعليمية، والإعلامية، وفي برامج المساجد، وبفصل الدين عن السياسة، وبتجريم استغلال الدين أيديولوجيا، وسياسيا، وبتجريم إنشاء أحزاب، وتوجهات، ومنظمات جماهيرية، على اساس أدلجة الدين الإسلامي، من أجل استغلاله سياسيا، نكون قد رسمنا الخطوط الحمراء، التي يجب عدم تجاوزها، لجعل الشعب المغربي بعيدا عن إنتاج الظلامية، والظلاميين، الذين يعملون على نشر الإرهاب في الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، ومن أجل تجنب إنتاج الإرهاب نفسه. وما احترام الدين الإسلامي، إلى جانب احترام جميع المعتقدات التي يختار أفراد المجتمع الإيمان بها شرط أن لا تصير منطلقا لبناء حزب سياسي معين، بعد أدلجتها، لمخالفة ذلك، إلا لما ورد في المواثيق، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، التي صادق عليها المغرب، والتي لا زلنا في حاجة إلى أن تتلاءم معها قوانيننا المعمول بها.