السينما هي من أكثر الفنون المعاصرة إثارة للجدل و للصراع القيمي الحاد، سواء أكان ذلك عن قصد او من دونه. إنها بامتياز المجال الخصب لتغذية الاختلاف و التوثر. اليوم، و في كافة بلدان العالم تقريبا، لا يكاد يمر الاعلان عن صدور فيلم او عن عرض له في الصالات دون ان يصاحبه الكثير من الصخب و النقاش اللاذع. بل ان بعض الافلام تتسبب في قلاقل عنيفة و أزمات سياسية و ديبلوماسية و انقسامات مجتمعية. و قد تصل الأمور أحيانا ليس فقط الى القضاء و المطالبة بالمنع و القصاص و الاعتداء الجسدي بل الى التهديد بالقتل... و غالبا ما تبرر ردود الافعال الرافضة تلك بكون الفيلم المعني مستقبح او مسيئ و مستفز لسبب معين لقطاع ما من المجتمع. كما ان العكس صحيح بالنسبة للاصوات و الفئات المساندة او المستحسنة لنفس الفيلم.

فما هو يا ترى الفيلم السينمائي الجيد؟ كيف نحدد جودته ؟ و أين تكمن قيمته و ما هي معايير الحكم عليه؟ ... أسئلة متشابكة تعيدنا الى طرح إشكالية مقاربة العمل الفني العويصة و قضية تضارب الاذواق و اختلاف الاحكام النقدية و التي لم يسلم منها حتى كبار الفلاسفة. كلنا يتذكر موقف "نيتشه" المتناقض من موسيقى "فاغنر". فقد أبدى "نيتشه" خلال فترة شبابه المبكر، إعجاباً فائقاً بموسيقاه، لكن بعد تقدمه في السن هاجم بحدة تلك الموسيقى نافيا عنها أية قيمة جمالية... بالرغم من أنها لم تغيير و كذا الوصف التقني الذي قام به "نيتشه" وقتذاك لها. ما الذي تبدل اذن؟ يجيب الفيلسوف الفرنسي "إيريك ديفور" : ما تغير هو أننا انتقلنا من سؤال ال"كيف" (الوصف الفني الدقيق) الى سؤال الغاية : "هل العمل جيد ؟ و هل يروق؟" (الحكم القيمي).

في كتابة "قيمة الفيلم"، يرجع "إيريك ديفور" مجمل الإنتاج النظري و الفكري حول السينما الى تصورين أساسيين:
– التصور الشكلاني أو الجمالي : و هو الاكثر بداهة و الذي نتعلمه مبكرا في المدرسة عند مقاربتنا للنصوص الادبية مثلا- اذ يقال لنا : إن قوة النص تكمن ليس في مضمونه بل في طريقة تقديمه لذلك المضمون، أي في الاسلوب. نفس الشيء ينطبق على "الأوبرا" ذلك ان ما يهم المتلقي ليس النص ("الليبريتو") بل الشكل الموسيقى. نفس الملاحظة تسري على السينما: اذ المهم ليس المحتوى بل الكيفية التي يتم بها إبراز ذلك المحتوى من خلال الأذوات السينمائية .

هذا التصور الشكلاني ظهر في ألمانيا ابتداءا من 1910، أي مباشرة بعدما تحولت السينما الى "فن"- و من حسن الحظ انه لم يكن في البداية "تصورا قيميا"، بل "تصورا صرفا للسينما". و هو التصور ذاته الذي كان يلجأ اليه المنتجون الألمان لتسويق أفلامهم قائلين لزبنائهم : " ما نعرضه عليكم هو سينما و ليس مسرحا – ثمة خدع بصرية و مؤثرات خاصة و صور متحركة وضوء و مونتاج و اشياء اخرى لن تجدونها في المسرح...". كانت السينما أنذاك مجبرة بصفتها فنا حديثا على الكشف عن ماهيتها - أي بالاسلوب و الشكل...هذا التصور هو الذي سيسود في فرنسا مع الانطباعية في العشرينات من القرن الماضي، ثم مع "الموجة الجديدة" بعد الحرب العالمية الثانية. فعلا توجد اشياء كثيرة في الفيلم يقع التعبير عنها بالصورة فقط، دون استعمال الكلمات-.

– التصور السياسي او الاجتماعي : ظهر في روسيا خلال العشرينات من نفس القرن : كان المفكرون الروس ينظرون الى الأفلام السردية، التي تمثل غالبية الإنتاج السينمائي العالمي، بكونها ليست سوى انعكاسا لصراع الطبقات الإجتماعية المتنافسة و للقوى السياسية و الإقتصادية الفاعلة - في نظرهم، السينما هي جوهريا سياسية (بالمفهوم الواسع). هكذا سينتجون تصورا للسينما يسمى "التصور التقديري" (القييمي)- فالفيلم يجب أن يستحسن من حيث المضمون السياسي الذي يريد تمريره - لأن ثمة بالضرورة قوى متصارعة تسعى الى فرض قيمها و نموذجها على العالم و بالتالي وجب كشف رؤيتها للمجتمع، الخ- في ألمانيا، يمثل هذا التيار "زيغفريد كراكاور" الذي لا يرى في السينما سوى الجانب الإجتماعي. في أمريكا يجسده "نويل كارول" المنتمي الى الفلسفة التحليلية المنشغلة على القضايا السينمائية. بالنسبة للأخير : مقولة “الفن من أجل الفن” هي مجرد تجريد, و لا وجود لفن مترفع ومنفصل عن الحياة والمجتمع.

– في كتابة المذكور يرى "إيريك ديفور" أن هذين التصورين غير متعارضين في العمق، و لا ينبغي لنا الاختيار بين هذا او ذاك بل البحث عن النظرة السياسية الاجتماعية من خلال الاذوات الاسلوبية- فالشكل هو دائما في خدمة مضمون ما- الاختلاف بين التصورين هو ان الأول ينشغل بالمضمون بشكل غير محدد بينما يرجعه الثاني بصفة حصرية إلى علاقات قوى و سلطة حتى و ان أخذ في الحسبان قضية الأسلوب و الشكل-
ثم ان تطور المجتمع السريع (في الغرب) تجاوزهما كليا- في أمريكا، بداية السبعينات من القرن الفائت، بدأت تطفو بشدة على السطح مسألة الاقليات العرقية و الاثنية و الجنسية و الدينية و القوى السلمية (المناهضة للحروب) الصامتة، الخ. و صار الانشغال بالقضايا الاجتماعية مركزا على الطريقة التي بها تعالج تلك القضايا (قانونيا، فنيا، ثقافيا، سياسيا، الخ): مثلا علاقة الرجال و النساء في كافة مناحي الحياة، الخ- و من هنا إلحاحية السؤال : ما هو الفيلم الجيد؟ (تضارب الأحكام) لكن من دون جواب مُقْنِع. فالنظرة الجمالية تنزع نحو الموضوعية و التجريد و الكونية و تزعم انه في مكنتنا القيام بقراءة "باطنية" (ثقنية) للفيلم و ابراز الخصائص المحددة لعظمة و جودة اسلوبه الخ.- و اما التصور الاجتماعي للفيلم فمرتبط اولا بالتصور السياسي لكل واحد منا.
في كلتا الحالتين : لابد من توفر شرط المعرفة او الخبرة لإصدار تقييم ما (حتى لا نقول حكما)- مما يستوجب معه حتما مصادرة تقييم الشعب (المجتمع) و نزع سلطته المشروعة في التقييم و إصدار الحكم القيمي : لإن من سمة و خاصية الشعب إستحالة امتلاكه الخبرة اللازمة التي تمكنه من معرفة ما هو الفيلم الجيد (الصالح) سواء لدواعي جمالية او لدوافع سياسية. يمكن التذكير هنا ببعض الافلام الامريكية الكبرى إبان الحرب العالمية الثانية التي كانت، بسبب الرقابة، تقدم مواقف دعاة السلام المناهضين للتدخل العسكري بطرق مُقًنٌعة و أذوات فنية مركبة تتطلب خبرة و ثقافة معينة لفك شفراتها. حتى النقاد لم ينتبهوا للامر إلا بعد عقود من الزمن و تغير الوضع الدولي الخ.

ثم انه لا توجد قراءة صرفة للفيلم (خالصة) إذ لا لوجود لموضوع دون ذات عارفة. و لا وجود لذات عارفة مجردة، كونية (في مفهومها الكانطي) بل كل ما هناك : ذوات محسوسات، مادية، متنوعة و مجسدة اجتماعيا. أي نجدنا أمام تعددية الموضعات و التقييمات- السؤال: أين يكمن التقييم؟ هل في ما يقوله كل واحد منا عن الفيلم؟ في الخطاب؟ الحقيقة أننا لا نستطيع بدقة قياس "ما نحس به" و "ما نقوله"، و بالتالي تستحيل علينا مشاهدة الفيلم و تحليله في ذات الآن- كما أن الانتقال من "المعيش" (مشاهدة الفيلم) الى "الخطاب" (نقده) لا يتبع خطا منطقيا بالضرورة - و لا يمكننا الوثوق في "اللغة" (الكلام) لإصدار تقييم ما للفيلم، لأنه في أي نقاش كل طرف يسعى للبرهنة على صواب رأيه- كيف اذن بنا إعطاء الإحساس بالتقييم الفيلمي من دون إضافة الكلمات ؟ الجواب : لا يستحسن (يقيم ) الفيلم بواسطة الكلمات أبدا، و لا بالأثر الآني الذي يحدثه في المشاهد- بعبارة أخرى : التقييم لا يكمن في الخطاب، و لا في الأثر المباشر ("ما يحدثه الفيلم فينا") و الذي هو لذة ظرفية او إنفعال جد عابر سرعان ما ينسى مثلما ينسى الفيلم نفسه، بل في "ما نفعله نحن بالفيلم"، في الطريقة التي بها ينطبع في دواخلنا مثل "خريطة" او "كارطوغرافيا" تمكننا من التموقع في العالم و فهم المجتمع و ضبط علائقنا مع الاخرين. خريطة ترسم لنا كيف نسلك في الحياة طريقنا- و الخريطة ليست تحليلا (خطابا) و إنما هي إشارات (لا لفظية) تساعدنا على ادراك و تمثل الظواهر الطبيعية و البشرية المتعددة، باختصار على "تجاوز المركب في الواقع"، كما يقول "نيتشه".

هوامش :
1-Eric Dufour, La Valeur d’un film- Philosophie du beau au cinéma,
Paris, Ed. A. Colin, 2015.