بديل – عن اسبوعية "الأيــام".

أول خطوة في مسار الألف ميل للمنتسبين لأجهزة الاستخبارات المغربية سواء العسكرية منها أو المدنية، هو اشتراكهم في مجموعة من المبادئ العامة التي يتعين عليهم التقيد بها طيلة مسارهم المهني.

الدرس الأول الذي يتلقونه هو الحيطة والحذر، وتوقع الأسوأ، وانتظار المفاجآت من أقرب الناس، وعدم الانصياع للعواطف، فلا مجال للمشتغلين في أجهزة الاستخبارات للدخول في مغامرات عاطفية أو أي شيء من هذا القبيل ، طالما أن الهدف هو معرفة ما يدور في ذهن "الصيد المستهدف" ولو اقتضى الأمر شق رأسه إلى نصفين واستخراج الدماغ ومعرفة ما يدور فيه، هذه ليست مبالغة ولكنها الحقيقة التي تحكم هذا الجهاز، انه السعي الحثيث للحصول على السر كاملا وغير مجزء.

القاعدة الأولى التي تلقن للملتحقين بأجهزة الاستخبارات هي " المعلومة التي لديك احرص عليها ولا تبح بها ولو لأقرب الناس إليك، والمعلومة التي لدى غيرك كن أنت أول العارفين بها" أو ما يعبر عنه بالدارجة المغربية " ديالك حضيها وديال الناس تعرفها".

أما عن كيفية صيانة المعلومات التي يحصل عليها المشتغلون في هذه الأجهزة فهي متنوعة، وفي مقدمتها إطلاق وابل من الإشاعات والأخبار المغلوطة من أجل التحكم في الأسرار، ووضع سد منيع يحول دون التوصل إلى المعلومات المتوصل إليها.

الهاجس الذي يسيطر على العامل في هذه الأجهزة والمخبرين المتعاونين معهم، هو كيف يبقى السر محصورا في دائرة محددة دون أن تطالها عناصر استخباراتية أجنبية.
كلما زاد رصيد المشتغل في جهاز الاستخبارات من المعلومات كلما كان أكثر قدرة على السيطرة والتأثير، وعلى قدر تشعب علاقته وتعدد مصادره وقدرته على الاختراق، على قدر ترقيه في هياكل الجهاز المنتمي إليه.

هامش الخطأ في الحصول على المعلومات غير مسموح به، المعطيات المتعين معرفتها يجب ان تكون تامة ودقيقة ومفصلة، تتجاوز العناصر الخبرية التي تدرس في أدبيات الصحافة والمعروفة بالشقيقات الخمس: من، ماذا، وأين، ومتى، وكيف؟

الثالوث المقدس

ما يهم أجهزة الاستعلامات والمخابرات هو الحصول على المعلومات المختلفة والمتنوعة، يحرصون أن تكون دقيقة ومفصلة ومحيطة بكل الجوانب.

كل إنسان بالنسبة إليهم له نقطة ضعف الخاصة به التي يمكن النفاذ منها للتأثير عليه ومعرفة ما بداخله، مهما بلغت عبقرية البعض وظن انه يمكن أن يواري معلومة معينة عن هذه الأجهزة فهو واهم لا محالة.

فالقاعدة الذهبية التي يستند عليها مؤطروا العاملين في أجهزة الاستخبارات هو أنه مهما بلغ الذكاء بالبعض فانه سرعان ما يسقط صريعا أمام تجمع عدة عقول تشتغل عليه لمعرفة ما يدور في خلده.

التراكمات في هذا المجال، كشفت عن ثالوث مقدس ، لا يمكن لأي شخص مهما بلغت قوته وعبقريته ودهائه في الإفلات من شراكه، هذا الثالوث هو: الجنس والمال، والخمر.
جميع من تم اصطيادهم من قبل عناصر هذه الأجهزة كان المدخل إليهم لا يخرج عن عناصر هذا الثالوث إما مجتمعة أو متفرقة. فمن كان مهووسا بالجنس سيجد لدى هذا الجهاز وطره.
الكثير من المعلومات التي يحصل عليها رجال الاستخبارات، مصدرها وسادة مشتركة بين "الصيد الثمين" وإحدى الحسناوات الموضوعات رهن إشارة هذه الأجهزة.

لا يتعلق الأمر هنا بدعارة مقنعة وإنما منهج استخباراتي أصيل يعتمد على الحسناوات في استدراج المستهدفين والإيقاع بهم من أجل الحصول على المعلومات، وهو منهج معمول به حتى في أعرق الأجهزة الاستخباراتية عبر العالم ومن بينها جهاز الموصاد الإسرائيلي.

يكفي الاستدلال هنا بما كشفت عنه رئيسة الحكومة الإسرائيلية السابقة سيفني ليفيني التي أقرت بعمليات قامت بها حينما كانت عميلة للموصاد ومن بينها إقامتها لعلاقات جنسية مع مسؤولين فلسطينين كبار، وكانت تلك العلاقات الجنسية وسيلتها للحصول على معلومات غاية في الأهمية، كما اعترفت ليفني أنها استفتت كبار رجال الدين الاسرائليين الذين أجازوا لها إقامة علاقات جنسية في سبيل الحصول على معلومات.

منهج اعتماد الجنس للحصول على معلومات كان أيضا ديدن جهاز الكاب المغربي العلبة السوداء لفضائع سنوات الرصاص، حيث سبق لعميل هذا الجهاز الأسبق أحمد البخاري، أن كشف عن كيفية توظيف شبكات الدعارة والمومسات في الإيقاع بالعديد من السياسيين ورموز الحركة الوطنية ممن كانوا على خلاف مع نظام الحسن الثاني. وكيف تحولت العديد من دور الدعارة المنتشرة بعدد من المدن المغربية إلى مراكز حساسة لجلب المعلومات.

وبالنسبة للخمر فان التجارب اثبت أن الإنسان الذي يكون تحت تأثير الكحول تكون له القابلية أكثر للبوح ما بدواخله والكشف حتى عن أدق الأسرار، ومع كل كأس يسكب هناك معلومات إضافية يتم الحصول عليها.

الزاوية الأخرى من هذا الثالوث وهي المال، ففي سبيل الحصول على المعلومات يتم الإنفاق بدون حساب، دائما هناك شيكات موقعة على بياض وحقائب ممتلئة عن آخرها توضع رهن إشارة من يقبل بالتعاون مع أفراد هذا الجهاز، فأمام تأثير المال وإغراءات الحياة المختلفة، العديدون يفقدون صوابهم تحت هذه الإغراءات ويكون لهم الاستعداد المطلق للبوح بما لديهم في سبيل الحصول على تلك الحقائب.

أما إذا كان الشخص المستهدف بمعرفة ما يدور في خلده، مدمنا على القمار، فهو بلا شك سيكون صيدا سهلا طالما أن لديه القابلية لبيع أي شيء من أجل تعويض خساراته المالية التي يصرفها على الرهان.

مهارات خارقة

عالم الاستخبارات مليء بالأساطير، تتداخل فيه الحقيقة والخيال، المشتغلين به مطلوب منهم مهارات غير عادية لمواكبة المستجدات، كما يتعين عليهم إتقان تخصصات علمية مختلفة لفك الألغاز التي قد تصادفهم، في إطار تتبعهم ورصدهم لتحركات الأشخاص، هم مجبرون بالإحاطة بمسار حياتهم مند ولادتهم، فالتفاصيل التي يجمعونها عنهم مهما كانت موغلة في التفاصيل فإنها تكون ضرورية للنفاذ إليهم.

بروفيل المشتغل في جهاز الاستخبارات يتم انتقائه وفق مواصفات خاصة، فهو عليه أن يكون شخصا وسيما ذو مظهر خارجي جذاب وأنيق، وسرعة البداهة وأن تكون جميع حواسه سليمة، خاصة حاستي السمع والبصر.

وأن تكون له قدرة على التكيف مع الأوضاع المختلفة، وغالبية المخبرين يبدون طيبوبة مبالغ فيها، وهي الصفة التي يكتسبونها من خلال تمرسهم على المناهج الناعمة لاستخبارات، والتي تقوم على مبدأ أنه كلما تمت معاملة شخص ما بأسلوب لبق كلما كانت لديه القابلية أكثر للتعاون والاستجابة.

من بين القصص التي تميط اللثام عن عالم الاستخبارات المغربية ومدى تعقد العمليات التي يقومون بها من أجل الحصول على المعلومات، حكاية ضابط في الاستخبارات العسكرية الذي كان موضع شبهة، ومن أجل مراقبته ورصد تحركاته بشكل دقيق، تمت الاستعانة بخدمات سيدة تشغل في ذات الجهاز التي استطاعت أن توقعه في شراكها، وتقيم معه علاقة زواج وصارت من داخل بيت الزوجية ترسل التقارير المفصلة والدقيقة عنه إلى إدارة الجهاز.