يطرح سؤال العنوان نقطة أولية وهي أن بروز الحزبين هو مجرد ظهور انتخابي وليس بروزا سياسيا، بمعنى أن البروز الانتخابي غير مبني على تطبيق النظرية السياسية والأيديولوجية للحزبين ،"مشروع الإسلاميين معلق إلى حين"( قول للمقرئ الإدريسي بجريدة التجديد10شتنبر 2015) ولكن كيف يمكن منهجيا معرفة أسباب البروز الانتخابي لهذين الحزبين ؟أي ماهي المنهجية الممكنة لمعرفة مصادر صعودهما الانتخابي ؟ ولتحديد منهجية الجواب لابد أن نبدأ من المراجع الممكن اعتمادها ،وأن نؤكد أنه يستحيل معرفة بعض الأسباب السرية التي يتوفر عليها نوع من الأجهزة المدنية والعسكرية التي تؤثر على الأحزاب وتمارس السياسة السرية ،وقد عرف من الأسرار المتعلقة بسياسة المخزن مع الإسلاميين جزء مهم في تصريحات إدريس البصري التي أدلى بعها في المنفى بفرنسا بعد طرده من وزارة الداخلية،ونشرتها الجرائد قبل وفاته،وعرف منها في الواقع المعاش موضوع العلاقات العائلية التي تربط مؤسس حزب PJDالدكتور الخطيب مع إسماعيل العلوي والجينيرال حسني بنسليمان،وعبد الإله بنكران، وعائلات أخرى منبثة في صفوف الحكم مثل الصبيحي.... بمعنى أنه لايصح منهجيا تغييب عنصر الشبكات العائلية المخزنية من ظاهرة انتخابات الحزبين، ونحدد أيضا من الناحية المنهجية أن الأسباب لاتعرف من الاعتماد على الأصوات الانتخابية التي صرحت بها وزارة الداخلية،لأن الانتخابات ونتائجها في المغرب هي مجرد عملية تقنية أمام " التعيينات"nominations التي تمثل في المغرب جوهر تولي مناصب الحكم، ولا من تصريحات المنتمين لهذين الحزبين وجرائدهم ووسائل إعلامهم، ولا حتى من الحزبين كتنظيمين سياسيين، ولا من جناح "حركة التوحيد والإصلاح"، وإنما تعرف بالأخذ بمنهجية توسيع التحليل والأسباب لتشمل المبررات الموضوعية لوجود الحزبين تاريخيا ، وموازاة وجودهما مع ملابسات أخرى مصاحبة لظهور عناصرهما في مواقع القرب من الملك، مثل محاولات انقلابات1971- 1972 ،وظهور منظمات اليسار الثوري مثل إلى الأمام، و23مارس ومنظمة الاختيار الثوري ، التي تكون العمود الفقري ل PAM (احمد خشيشن،حسن بنعدي، صلاح الوديع، محمد الصبار ،بنشماس، اليزمي ، حرزني ، بلكوش ادريس بنزكري..الياس العمري محجوب الهيبة) بعد هذا التوضيح المنهجي نقترح بعض الأسباب الممكن الإشارة إليها:



1- كان من مهام حزب PJDتصفية الشبيبة الإسلامية التي أسسها مطيع (اكتوبر1971 بعد مرور ثلاثة أ شهر على المحاولة الانقلابية ضد الحسن الثاني10يوليوز1971)وأهم مصادر المعرفة في هذا الجانب هو محاضر الشرطة التي أنجزت في ملف اغتيال عمر بنجلون، ومذكرات الشيخ مطيع نفسه، ومحاضر اعتقال ومحاكمة أعضاء الشبيبة الإسلامية مثل المعتصم، والركالة(مؤسسي حزب البديل الحضاري)وفرض الحسين (أحد مؤسسي الحزب الديمقراطي الأمازيغي المغربي) وعبد الإله بنكران،ومراد(المصور المشهور) ... وتفيد باختصار وجود أول مشروع ثورة منطلقة من الإسلام من اجل الإطاحة بالنظام في تاريخ المغرب الحديث، بعد أن ظهر مؤكدا وجود حركة انقلابية بالمغرب في تلك الفترة،(المد بوح، عبابو ،حمو ،عقا...الفنيري، حبيبي) كان قبل الشبيبة الإسلامية لايوجد في المغرب مشروع ثورة أو انقلاب عسكري كيفما كان نوعها سوى في صفوف بقايا المقاومة ضد فرنسا واسبانيا أو امتدادات الانقلابات العسكرية في مصر والعراق وسوريا(مزاعم الثورة العربية أو الثورة الاشتراكية وبعض قدماء الجيش الفرنسي والاسباني المتأثرين بالانقلابات العسكرية في مستعمرات فرنسا القديمة في افريقيا)وهي في عمقها مشاريع ثورات غير إسلامية(بنبركة الفقيه البصري ثورة الريف ثورة عدي اوبيهي..ثورة البشير في بني ملال ومختلف ملفات التآمر لقلب حكم الحسن الثاني ابتداء من سنة 1962)ولمزيد من إدراك وتوسيع الفهم السياسي سوف يكون انطلاق مشروع المنسحبين من الزاوية البودشيشية بقيادة عبد السلام ياسين في نفس فترة انطلاق تأسيس الشبيبة الإسلامية وهو خط إسلامي ثوري آخر تحول من الصوفية المجردة إلى الطموح للحكم( انظر مثلا كتابين:"الإسلام بين الدعوة والدولة" 1971و " الإسلام غدا " 1972)وتقول بعض الروايات الشفوية بأن الجينيرال محمد اوفقير كان يتعبد بالزاوية البودشيشية في نفس الفترة التي تشيخ بها عبد السلام يس.

2- ومن مهام PAM تصفية اليسار الثوري الممتد من حيث ظهوره متوازيا مع الشبيبة الإسلامية ويمكن استنباط الأدلة من الماضي الثوري لقياداته والمعتقلات والمحاكمات التي مروا بها ومن كون المنظمة التي خرج منها تسمى "الحركة لكل الديمقراطيين" وهي تغيير طفيف لاسم حزب كان أسسه مجموعة من اليساريين الجذريين تحت اسم"الحركة من اجل الديمقراطية" وذلك بعد أن بدأت بوادر عدم فائدة وجود"منظمة العمل الديمقراطي الشعبي"

3-ان ثبوت إمكانية وقوع ثورة شيعية إسلامية في بلدان تحكمها ملكيات ترجع أصولها إلى زمن طويل انطلاقا من تجربة قيام ثورة الخميني في إيران ،وانتشار كتب السيد قطب زعيم حركة الإخوان المسلمين بمصر في صفوف فئة من فقهاء الدين بالمغرب الذين كانوا مسالمين يشتغلون بالعبادة والتصوف والقراءة تحت توجيه جمعياتهم التي كانت في الغالب تدين بالولاء للحكم الملكي العلوي وتشتغل في ظله مثل أتباع المختار ألسوسي في الجنوب وعبد الله كنون والمكي الناصري وعلال الفاسي ومحمد داوود في تطوان وغيرهم في الشرق و الشمال وفقهاء القرويين في الوسط وفاس ومكناس (تقي الدين الهلالي)وتافيلالت ووجده وشيوخ الزوايا كالناصرية والتيجانية والدرقاوية والبودشيشية.....

4- إن ظهور تنظيمات الثورة الإسلامية بمختلف أنواعها كقيام حكم حركة طالبان في أفغانستان وحكم المهدوية العسكرية في السودان،وتنظيم القاعدة في اليمن والسعودية ومساعي قيام الخلافة الإسلامية التي كان آخر مشروع لها هو دولة الإسلام في العراق والشام(داعش) جعل نظام "حكم إمارة المؤمنين" في المغرب يبحث عن مخرج من مأزق الدولة الإسلامية الذي ربط بها نفسه في الدستور وطقوس الحكم ،وهو ما سهل تشجيع المخزن للحزبين معا،وكانت صدمة تفكيك الاتحاد السوفييتي سببا في تلاقي عناصر الثورة من جانبها الإسلامي وجانبها اليساري المتلاقيان الآن في كراسي الحكم .

5- ثم من جهة أخرى يجب منهجيا أيضا النظر إلى الأصول العائلية للأسماء البارزة في الحزب مثل عائلة القايد الداودي،والمقرئ الإدريسي،ومصطفى الخلفي،والحمداني والريسوني والعثماني،ومن جهة أخرى الرجوع إلى تقنية البروز الانتخابي في الدول الإفريقية ،حيث تعتبر الانتخابات فرصة للحاكم الفردي الذي يجعلها من وسائل شرعيته الفردية والعائلية ،وليس وسيلة لسيادة الشعب.وأيضا الرجوع إلى حاجات ومصالح الدول الأجنبية التي تستغل ثروات المغرب وما يلائمها من نتائج الانتخابات(بعد الانتخابات اطمأنت فرنسا على مخططها في الاستيلاء على موانئ شمال المغرب انطلاقا من ميناء طنجة المتوسطي وشرع فرنسوا هولا ند في مشروع تأسيس مختبر الإسلام الفرنسي بالمغرب ليواكب مصالح فرنسا )

6-مسألة "الثورة" عامل أساسي في منهجية فهم مايجري في المغرب حاليا حيث ظهر تياران في الساحة السياسية المغربية: تيار القطيعة مع مشروعات "الثورة "كيفما كان نوعها وتقوده مجموعات يسارية اشتراكية وشيوعية وقومية عربية قطبها الحقيقي هوحزب الأصالة والمعاصرة وحلفاؤه الذين مهد لهم الطريق عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي وأتباعهما في حكومة التناوب ،مثل بنزكري، بنعدي، احمد خشيشن، صلاح الوديع ،وحرزني واليزمي والصبار، ونوبير الأموي..وعبد العزيز بنزاكور وآخرون متسترون في مواقع الأمن والاقتصاد) كانت ترتبط بهذا المشروع ابتداء من سنة 1972( قدماء الاختيار الثوري الذي كان يقوده الفقيه البصري وأتباعه وتيار تعليق الثورة إلى أجل غير مسمى ويمثله الإسلاميون الذين كونوا حزب العدالة والتنمية وهذان التياران هما الجدار الرملي الذي بني في السياسة كما بني الجدار الرملي في الصحراء.

7- كان لابد لأجل بروز حزبي الأصالة والمعاصرة وحزب العدالة والتنمية سد الباب على الأحزاب الجديدة ومنعها لكي لاتنافسهما منع حزب النهضة والبديل الحضاري واعتقال منظمات السلفيين وحل الحزب الديمقراطي الأمازيغي المغربي ،وتقزيم حزب النهضة والفضيلة بمعنى آخر سد المخزن أبواب منافسييهم المحتملين،وتشديد الحصار على الشيعة المغاربة.

8- وجودهم في كراسي الحكم ومواقع النفوذ السياسي والإداري مماسا عدهم على المشاركة في تدبير العمل التقني لوزارة الداخلية التي هيأت قوانين الانتخابات وقوانين الأحزاب التي خولتهم المرور بسهولة نحو البروز الانتخابي في جو خال من المنافسين الأقوياء.

وختاما فا ن ما يجري في المغرب لايمكن فهمه الصحيح إلا بتتبع خيوط السياسة ابتداء من سنة 1971،ولا ينتعش علم السياسة المغربي الجديد الا في تحليل ظرفية حصول الأزمة السياسية التي ورثها الناس من انتخابات 4شتنبر 2015. وهو ما كتبت عنه حتى الآن ثلاث مقالات مرتبطة ببعضها وهذه واحدة منها.