جاكوب كوهين ـ عمل النظام العلوي الشريف بشكل مستمر منذ سنة 1956 على تعزيز سلطاته، مهما كلف الثمن، في مواجهة التنظيمات السياسية، ولو على حساب المصالح العليا للوطن. وقد اختار بعد الاستقلال أن يتحالف مع القوى الاستعمارية السابقة بهدف كسر شوكة الحركات التقدمية، التي كانت تطمح إلى ملكية دستورية، خشية أن يضطر إلى تقاسم السلطة. في نفس الوقت أحجم عن المطالبة باسترجاع الأراضي المغربية التي كانت ما تزال تحت الاحتلال، ولولا هذا التوجه لما وجدنا أنفسنا اليوم أمام مشاكل سبتة ومليلية والصحراء الغربية.

وقتها كان الحسن الثاني القائد الأعلى للقوات المسلحة هو الذي قاد هذه السياسة. اليوم نستطيع أن نقول إننا نعيش نوعا من الاستمرارية "الحسنية" التي ليس لها من هدف سوى احتكار السلطة وتعزيز الامتيازات التي تصاحبها.

لا حاجة للعودة إلى سرد أساليب الملك الراحل، ولكن لا بأس من التذكير بعلاقات التعاون الوثيق التي ربطها مع الخبراء الإسرائيليين في مجال الأمن والقمع. لقد أصبح المغرب آنذاك الفتى المدلل للصهيونية العالمية. على كل حال فلكل دولة حلفاؤها الذين تستحقهم.

مع الملك الجديد، شنفوا لنا الأسماع بحملة دعائية كثيفة، فقالوا عنه إنه شاب متفتح، نشيط، صديق للفقراء. كفاية، لسنا بحاجة إلى المزيد! لقد استمر الوهم لمدة طويلة بفضل تواطؤ الغرب الذي لا تخفى علينا الجهات التي تتحكم فيه، ذلك أن المتعاونين مع الموساد، "الصيانيم"، يشتغلون بجد ونشاط. من المرجح أن يكون هؤلاء "الخبراء" هم الذين علموا الملك الشاب كيف يضيق الخناق المالي على وسائل الإعلام المستقلة، وكيف يدفع إلى المنفى صحافيين كبار كانوا سيمثلون مفخرة كبيرة لبلادنا، وكيف يتم تدمير مؤسسات بالكامل بسبب تجاوزها "خطوطا حمراء" وهمية، وكيف يحرك اليد الباطشة للقضاء لإعطاء المثل لأجل التخويف.

إن "المحنة" التي تعرض لها مؤخرا علي أنوزلا وموقعه الإخباري خير مثال على ذلك، لأن المخزن لا يتردد أبدا في الغلو في التعسف كلما أحس بتهديد حقيقي لسيطرته على القطاعات الرئيسية في البلاد. لا شك أن "مستشاريه" الذين يسهرون على السير السليم للأمور في المملكة من مكاتبهم في باريس ونيويورك وعواصم أخرى يستحيي من ذكرها، قد اقترحوا عليه أن يخفف العـقاب قليلا لأن الرسالة وصلت.

هناك دليل آخر على الممارسات التعسفية للنظام "الحسني" وقد برز من خلال إصراره، ضدا على قوانين إدارته نفسها، على حرمان جمعية جديدة من حقها في الوجود كما يخوله لها القانون. وذلك لأن "القانون" هو الملك، في بلدنا الجميل والحداثي جدا، والذي يشق طريقه إلى مستقبل مشرق. إنه يفعل ما يشاء، يمنح ما يشاء ويمنع ما يشاء، حسب هواه، وسط تصفيقات نخبة متزلفة منافقة تتلهف لما ستجود به الالتفاتات السلطانية.

إن تأسيس جمعية "الحرية الآن" كلجنة لحماية حرية الصحافة والتعبير بالمغرب، وهي المعنية بهذا الإصرار التعسفي، كان سيشكل خطوة إلى الأمام في مسيرة المملكة نحو الحداثة.
وستتضح لكم الرؤية أكثر حول هذه القضية من خلال قراءة مستهل بيانها الأخير: بعد أن رفضت تسلم ملف تأسيسها، ومنعت وقفتها التضامنية مع صحفيي الجزيرة المعتقلين في السجون المصرية، واصلت سلطات الرباط ممارساتها التعسفية والممنهجة في حق "الحرية الآن: لجنة حماية حرية الصحافة والتعبير بالمغرب"، عبر منع ندوة "حرية الصحافة والتعبير بعد ثلاثة سنوات على دستور 2011"، التي كان من المقرر أن يجري تنظيمها مساء يوم الخميس 10 يوليوز الجاري في مقر نادي المحامين بالرباط.

وحتى لا ينخدع أحد، فإن هذه رسالة إلى شريحة من النخبة المغربية التي تغض الطرف عن هذا الوضع. إن البلد ينغمس عن وعي في الرداءة والجبن والخداع والتخلف. تذكروا، لقد حذرناكم.

المقال الأصلي بالفرنسية ترجمة سعيد السالمي:

 http://www.demainonline.com/2014/07/28/le-makhzen-et-les-libertes-publiques/