يتجه اليوم أكثر مليون ناخب أمريكي دون من استفادو من امتياز الاقتراع الغيابي الى صناديق الاقتراع لاختيار الرئيس الثامن والأربعين الذي سيكون له شرف قيادة العملاق الامريكي لاربع سنوات مقبلة، ورغم أن استطلاعات الرأي على مدى الأشهر الاخيرة قد أعطت الافضلية النسبية لترامب، فإن الأسابيع الاخيرة حملت تغييرا مفاجئا بخصوص مواقف الناخبين الذين رجحو كفة كلينتون بعد آخر مناظرتين تمكنت خلالهما ممثلة الديمقراطيين من سحب البساط من تحت أقدام ممثل الحزب الجمهوري بنسبة مريحة.

على مدى أشهر من الصراع الانتخابي الذي انصب أساسا حول مقارعة جدوى البرامج الانتخابي لكلا المرشحين، ظل الرأي العام الامريكي يتابع باهتمام بالغ شرح بنود البرامج من طرف المرشحين، خصوصا تلك المتعلقة بالمجالات المرتبطة بحياة الأمريكيين وانشغالاتهم وهي مجالات متعلقة بكل من: الهجرة، السياسة الخارجية، الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي، الإجهاض، السلاح الخاص، المثلية، التوجهات الاقتصادية والضرائب، الجريمة والحريات المدنية، التعليم، البيئة والطاقة..

وإذا كان المرشحين للرآسة يتفقان في الرؤى بخصوص معالجة بعض من تلك النقط المدرجة في برامجهما الانتخابي وان اختلفو في بعض التفاصيل التي لا تؤثر وحدة الرؤية، فإن أكثرها اشعالا للمنافسة بينهما لتباين رؤى معالجتهما حد التناقض التام هي كل من: الهجرة، الصحة، الضرائب، السياسة الخرجية، والحريات المدنية ورخص السلاح الشخصي:
* الهجرة: فإذا كانت كلينتون اكثر رحمة بالمهاجرين حيث تعهدت بالعمل على تسهيل تسوية اوضاع المهاجرين وتشجيع الالتحاق العائلي وتمتيعهم بالمواطنة المتساوية مع نظرائهم الأمريكيين فإن ترامب على العكس تماما فقد تعهد بجعل امريكا مفتوحة فقط في وجه المهاجر القادر على الاندماج التام في حياتها والذي توفرت فيه ضمانات الولاء التام لامريكا.
الصحة: في الوقت الذي تعهدت فيه كلينتون بالعمل على تجويد برامج أوباما للرعاية الصحية يتجه ترامب الى العمل على إلغائه والبحث عوضه عن برامج رعاية صحية وبأسعار معقولة وليس الاقتصار على تأمين صحي كما في برامج أوباما المعمول به حاليا.
- الضرائب : اذا كان ترامب يتفق مع كلينتون بخصوص دعم الفئات الهشة والاسر ذات الدخل المتوسط فإن نقطة الخلاف بينهما في حجم الضرائب المزمع تطبيقها على الشركات حيث تتجه كلينتون الى رفعها وترامب الى تخفيضها
-  السياسة الخارجية: تدعو كلينتون الى تعزيز الموقف الريادي لأمريكا في العالم عن طريق سياسة حكيمة تعزز التحالفات مع اللجوء أحيانا الى الصرامة و الحكمة مع المنافسين و الخصوم، كذلك البحث عن شركاء جدد و العمل على هزيمة "تنظيم الدولة الإسلامية"، كما تسعى للخروج باتفاق صحيح مع ايران بخصوص ملفها النووي، في حين يسعى موقف ترامب الى النزعة الراديكالية، فبالاضافة الى دعوته للإبقاء على سياسة الفتك بالجماعات المسلحة، يتجه ترامب في برامجه الى تقوية الدور الريادي لامريكا في العالم بتعزيز أساليب الهيمنة والقطع مع سياسة الاعتذار والاستجداء والاستعطاف، وقذ ذهب في ذلك بعيدا بدعوته الى نسف الاتفاق النووي مع إيران!
- السلاح الشخصي: تعتبر مسألة السلاح الشخصي مسألة بالغة الأهمية لدى المجتمع الامريكي الذي يعاني من ارتفاع نسب الجريمة المرتبطة بوصول السلاح الى أيد غير مرخص لها بحمله، أو التعسف في استعماله من طرف المرخص لهم بحمله، وترى كلينتون أن الامر يستدعي علاج الظاهرة من المنبع بالتشدد في منح تراخيص حمل السلاح، بينما على نقيضها يرى ترامب أن السلاح حق من حقوق الدفاع عن النفس وان الاهتمام يجب ان ينصب على سوء استعماله.

سيظل إذن عنصر التشويق حاضرا في الانتخابات الرئاسية الامريكية الحالية على غرار كل الانتخابات السابقة، خصوصا تلك المحسومة منها بنِسَب ضئيلة تحكمت فيها الأصوات المترددة التي تغلبت على ترددها في يوم الاقتراع بالاضافة الى أصوات الأقليات والمهاجرين، ويبقى العنصر الأكثر اثارة في الانتخابات الحالية هو كون الصراع يجمع بين امرأة مرشحة لتكون أول رئسية للولايات المتحدة الامريكية ومرشح خالف الاعراف بتخليه عن الأساليب الكلاسيكية في الخطاب السياسي واتجاهه الى تبتي خطاب جريء صارم ومباشر لا يأبه للانتقادات وبعيد كل البعد عن الخطاب الديبلوماسي القائم على الملاينة وإظهار بعض المرونة في المواقف
وفي الوقت الذي سيعمل الناخبون الأمريكيون على تحديد قائدهم، ينشغل الرأي العام الدولي بما سيفرز عنه هذا الاختيار، وهناك شبه إجماع حول اتجاه تعاطف الرأي العام الدولي نحو كلينتون، ليس لقدرتها على القيادة أو لجدية خطابها، إنما الامر لا يعدو أن يكون سوى رغبة في قطع الطريق أمام رئيس محتمل يشحن خطابه بالعنصرية ورغبته الجامحة في إعادة الأنانية ألامريكية المتوحشة الى الساحة الدولية. أما في المغرب فالمسؤولين يتمنون دائما فوز الجمهوريين بالرآسة بغض النظر عن شخص الرئيس وبرامجه الداخلية والخارجية، ما دام الجمهوريون هم سند المغرب في وحدته الترابية، ففي حالة فوز كلينتون كممثلة للحزب الجمهوري فإن ملف الصحراء سيراوح لامحالة مكانه إن لم يتأزم أكثر، فرغم علاقة كلينتون الجيدة مع المغرب، الا أن مواقف الأشخاص من مبادئ أحزابهم خصوصا في دولة كأمريكا لا تتأثر بلذة كعب غزال وحلاوة البريوات وأناقة قفطان مراكش.

كلينتون أم ترامب؟ الجواب تحمله بضع ساعات مقبلة!