محمد الفنيش

قدر الله و ما شاء فعل، فكانت الفيضانات الأخيرة خير دليل على صراع الأجنحة، صراع المصالح الشخصية من جهة، والبعض القليل كان صراعه من أجل المصلحة العامة من جهة أخرى, هذا الأخير همش وأصبح خارج الخريطة السياسية التي تتصارع ثيران هدر المال االعام في رسمها. والكل يحاول التقرب من صناع القرار ومن الإدارة المركزية لعلها تستطيع مساعدته على التغطية على جرائمه المالية وفضائحه السياسية.ناسيا أو متناسيا أن سياسة المغرب الجديد ربطت المسؤولية بالمحاسبة.
مدينة كليميم نموذجا لهدر المال العام على مستوى البنيات التحتية التي أصبحت فيها "الطرق والجسور" تؤكد هشاشة البنية التحتية فيها,طرق أودت بحياة أبرياء, وكانت زيارتنا شهادة حية على واقع مرير.

عهد الوطن بحماية المواطنين وحماية أموالهم, لكن لوبيات الفساد بعدما نهبوا المال العام, وعجزت أو تجاهلت الدولة المغربية في معاقبتهم, نظرا لتسلسل لوبيات الفساد من مدينة كليميم في اتجاه الإدارة المركزية في الرباط, في وقت ظل صوت قلة القليلة التي لها غيرة على الوطن ولها ضمير مهني ظلت تغرد خارج السرب, بل تم توقيف أو تغيير بعض الموظفين الأكفاء نتيجة تشبتهم بمفهوم دولة الحق والقانون. هذا القانون الذي لا يطبق إلا على الفقراء وسلالتهم. الفيضانات كشفت بما لا يدع مجالا للشك حقيقة ناهبي الصفقات العمومية,قنوات الصرف الصحي بمدينة كليميم والحديثة العهد, لا علاقة لهم بالصرف الصحي بسبب صغر حجمها حيث إنفجرت على المواطنين وكانت الطامة أكبر بل كانت هي السبب في خنق بعض الأزقة وبعض الشوارع بمياه الأمطار ومياه الصرف الصحي. والتي ستكون لها تبعات خطيرة على صحة الإنسان في المستقبل القريب.و أمام هذا الواقع المرير إنقطع التيار الكهربائي وانقطع الماء الصالح للشرب وانقطعت شبكة الهاتف, فأنصرم حبل التواصل بين المواطنين وعائلاتهم وأصدقائهم فإزدادت المعاناة على المعاناة. صحيح أن وزير الداخلية حل بالإقليم, لكنه لم يستمع بعد للمواطنين, بل إستمع لطرف واحد يجمع السلطة والمنتخبين. منتخبون البعض منهم حقيقة إنتخاباتهم لا علاقة لها بمفهوم الإنتخابات.

غياب إستراتيجية التعامل مع الكوارث الطبيعية كانت واضحة في الإقليم, بحيث تم توزيع رجال الجيش و الدرك والشرطة والوقاية المدنية على بعض المناطق فكانوا هم أنفسهم محاصرين. والذين نشكرهم بهذه المناسبة على تضحياتهم الغالية رغم غياب الإمكانيات. إنذار الأرصاد الجوية هو الوحيد على الأقل الذي أخبر المواطنين بمصيرهم المحتوم. والدولة المغربية عليها اليوم أن تلتفت إلى إقليم كليميم الذي تركته عقود من زمن في يد بعض المنتخبين الفاسدين وتوالت عليه سابقا بعض رجال السلطة جعلوا من الإقليم هجرة من أجل جمع المال العام وهدره وتبذيره ليس إلا. اليوم هاهو العنصر البشري يخرجونه رجال الوقاية المدنية ورجال الدرك والجيش والمواطنين الذين أظهروا قيمة التكافل الاجتماعي وأخرجوا الكثيرين من وحل التراب أو من تحت الأنقاض وقد استشهدوا غدرا, لإن الكثيرين لم يقوموا بواجبهم مثل:

ـ التدقيق في حجم وقيمة الصفقات العمومية المخصصة لبناء وترميم الطرق الوطنية.
ـ ماهو السبب في غياب الإمكانيات والعتاد اللازمين, وكذا قلة الموارد البشرية لدى الوقاية المدنية؟
ـ غياب استرتيجية واضحة في التعامل مع الفيضانات. مثل إحداث مراكز للإيواء, إخلاء المناطق المهددة بالفيضانات قبل حلول الكارثة.
-ـ غياب الجرفات والأليات عن المناطق المتضررة.
ـ غياب التأهب اللازم بالمستشفى الإقليمي
ـ غياب بعض المنتخبين عن مناطق تمثيلهم, كتضامن أولي على الأقل مع الساكنة.-

-ـ غياب نشرة إخبارية خاصة على القنوات المحلية, تنقل الوقائع كما هي بدل تغطية الشمس بالغربال. والمساهمة في طمس الحقائق التي سيكشفها السيد يوتوب قريبا حفظ الله.
الكثيرون نهبوا ووزعوا المال العام بينهم, ومات الضمير الوطني والمهني في نفوسهم. سيحاول اليوم البعض أن يستغل الوضع الكارثي لتصفية حسابات بعيدة كل البعد عن مفهوم المواطنة الحقة, وعن مفهوم الضمير المهني, الكارثة التي وقعت في الجنوب المغربي مثل مدينة كليميم والقرى المجاورة لها وكذا مدينة السمارة ومداشر أخرى هي خسائر مرتبطة بسوء التسيير للسنوات الماضية, كما أنها مرتبطة بتراكمات الماضي نظرا لغياب دور ومسؤولية الدولة المغربية في محاسبة كل مسؤول انتخابي استغل أصوات المواطنين لتمرير صفقات وهمية أو شبه وهمية. الدولة المغربية اليوم مجبرة لا مخيرة أكثر من أي وقت مضى في التدقيق في الصفقات و المشاريع المرتبطة بالبنيات التحتية للمدن و القرى, من أجل الحفاظ على مفهوم الدولة ومفهوم المواطنة حتى لا يصبح المواطن المغربي مواطن اليأس والإحباط وورقة رابحة لكل من يحاول تفكيك شمل الأمة المغربية ولعل واقع الدول المجاورة خير دليل, مفتشي وزارة الداخلية ومفتشي المجلس الأعلى للحسابات عليهم أن يتحلوا بروح المهنية العالية والواجب الوطني وكشف مكامن الخلل للشعب المغربي الذي أعطى صوته لمن وعدوا بتحسين ظروف حياتهم, حتى يكونوا عبرة لكل منتخب تلهفت نفسه على الغنى السريع,لكي يعرف أن الضمير المهني والقانون المغربي أكبر من رغبات شخصية عابرة. حيث أن الكثير من مسؤولي الشأن الإنتخابي تسلقوا سلم الغنى الفاحش الذي لا يحتاج إلى عملية حسابية للمقارنة بين راتب رئيس مجلس شبه منتخب وثروته الحالية؟؟؟؟

نسأل الله العلي القدير أن يتغمد الشهداء بواسع رحمته, شهداء غدرت بهم البنية التحتية, وغدرت بهم غياب الإمكانيات, لإول مرة أحسست حقيقة, بضعف وطني, وطن قرأته عنه الكثير في التاريخ, سجن من أجله المرحوم محمد الخامس طيب الله ثراه, واستشهد الكثير أمام البنادق الفرنسية والإسبانية لكي يتركوا لنا اليوم وطنا حرا, يدمر اليوم بسبب الفساد السياسي.

لإول مرة أحسست أن وطني ضعيف. وأحسست أنني ضعيف, وأن حاضري ضعيف, وأن مستقبلي مجهول. وطني وطن هش بسبب غياب الضمير المهني لدى البعض؟؟ وطن لابد للكثير من رجالاته أن يستفيقوا من سباتهم العميق, ويقوموا بخدمته. الوطن يعاني جراء الفساد السياسي... فكان واجب الإنصاف والمحاسبة عبرة للحاضر والمستقبل.
ختاما يجب أن لا ننسى أن نتقدم بجزيل الشكر لرجال الدرك والجيش وأفراد الوقاية المدنية والقوات المساعدة ورجال الشرطة الذين رابطوا على طرق مقطوعة وسهروا الليالي من أجل تأمين سلامة أخرين رغم غياب الإمكانيات ولا أقول قلة الإمكانيات. واقع يفرض المحاسبة العاجلة والقراءة المتأنية في رسم معالم المستقبل بكل عزم وإرادة. وحسبنا الله ونعم الوكيل, وإنا لله وإنا إليه راجعون.
محمد الفنيش-ـ- بريطانيا
[email protected]