في كليميم، كل شيء مباح، حتى التغريد و الصياح خارج السرب، في ضرب لكل مرتكزات دولة الحق و المؤسسات، و في ظل دستور غير مسبوق قطع مع زمن الإمتيازات و الإقطاع، و كرس مفهوم ربط المسؤولية بالمحاسبة، بل و أعلن القطع مع ريع سياسي، اقتصادي و انتخابي كان إلى حدود بداية هذه الألفية المتحكم في صناعة القرار، مركزيا و جهويا على حد سواء.


نفس المشهد يتكرر في أقل من سنتين، حيث يسعى منتخب نافذ إلى الإصطياد في الماء العكر، و تأكيد سطوته على الإقليم و غلبته على رجال الدولة و المصالح المركزية، فقد يواجه الوالي الحالي لإقليم كلميم وادنون نفس مصير الوالي السابق و العديد من رجالات الدولة بكلميم.
مشهد ملامحه ارتسمت منذ أيام، عقب مقاطعة أعضاء المعارضة بزعامة هذا المنتخب و مساندوه لكل أنشطة الوالي، في عصيان ممنهج يظهر بشكل جلي سطوة الرجل و قوته التي تجعله فوق القانون، و أقوى من المركز، فهل ترضى الرباط أن يستقوي عليها منتخب عاث فسادا ذات اليمين و ذات الشمال؟ بل و يفصل كما يحلو له في مصير رجالات الدولة بمختلف مناصبهم و رتبهم.
في تتبعنا لهذا المشهد غير المسبوق، و ارتباطا بكواليس إلحاق الوالي السابق على ولاية كلميم السمارة بوزارة الداخلية، أفادت مصادر متطابقة و موثوقة إلى أن هذا المنتخب النافذ لم يكن ليستقوي لولا شبكة علاقات ربطها بما تيسر من ترضيات و هدايا و فساد و مكر أحيانا، حيث أفادت أن رجلا قويا من قيادات أحزب من المتصدرين للمشهد الحزبي المغربي تدخل بحسن نية و دون إحاطة بملابسات و حيثيات الصراع بين الوالي السابق و هذا المنتخب، لصالح هذا الأخير، بناءا على معلومات مغلوطة أحالها عليه المنسق الجهوي السابق لحزبه بكلميم، الذي تم استبعاده عقب الوقوف على تواطئه مع المنتخب النافذ و اصطفافه إلى جانبه بشكل مريب، تواطؤ بلغ حد الكذب على رجل قوي في حزبه من طينة القيادي البارز.
تدخل هذا القيادي القوي قلب الموازين و كان العنصر المحدد الذي أدى إلى إلحاق الوالي السابق بالإدارة المركزية و توقيف رجال دولة آخرين، و دفعه فيما بعد، بشرف الرجال و مسؤولية مناضل مبدئي، إلى الإعتراف بخطئه الذي كان خارجا عن إرادته، و مبنيا على معلومات مدلسة و بعيدة عن الحقيقة. فهل يحذو من يدعم هذا المنتخب من رجالات الدولة الأقوياء داخل وزارة الداخلية حذو القيادي في أحد الأحزاب العتيدة، و يكون لهم شرف الإصطفاف إلى جانب الحق، بعدما تساقطت آخر أوراق التوت عن عورة المنتخب النافذ، و تيقن الجميع من فساده و تورطه في لعبة قذرة وظف فيها المال العام لربح صراعات شخصية و حزبية ضيقة.
و هل تضع الدولة حدا لهذا المسلسل القذر؟ و هل لها الجرأة على إنصاف من سقطوا ضحية منتخبنافذ له من يسنده بعمق داخل دهاليز التحكم؟ أما آن لأجهزة المخابرات المدنية و العسكرية(DGED، DST) و غيرها، أن تقف مع الحق و توصل الصورة الحقيقية لملك البلاد، دون أن تخاف في ذلك لومة لائم؟ أليس من العيب، أن يتكرر نفس المشهد الركيك، بنفس السيناريو الذي لعب سلفا و هز صورة الدولة القوية، المهزوزة أصلا، و أن تلجأ الأجهزة الأجهزة الإستخباراتية إلى التعتيم و حجب الحقائق عن ملك البلاد محاباة و مجاملة لمن هم تحت سلطة جلالته؟ أما آن الأوان أيضا و نحن في بداية أجرأة الجهوية الموسعة و تنزيلها، تمهيدا للحكم الذاتي في أقاليمنا الجنوبية، أن نجسد إرادة القطع مع الفساد في شخص عرابيه من منتخبين نافذين في الجنوب و حماتهم في المصالح المركزية لوزارة الداخلية و ما رافقه من تخاذل للأجهزة الإستخباراتية، إرادة هي الوحيدة الكفيلة بتعرية البعبع الذي يهابه الجميع إلا نحن، لأن شخوصه ما هي إلا نمور من ورق صنعها أشخاص بعينهم؟
ما دام المشكل يهم كلميم، بوابة الصحراء و فمها، فإنه ما لم تنتزع بعض الأضراس بسهولة أو بالكلاب فإن الفم سيبقى عليلا ، الشيء الذي سيحجب إشراقة شمس الجهوية الموسعة و الحكم الذاتي.
بقي في الأخير أن نهمس في أذن القيادي البارز في الحزب المذكور الذي أذنب عن غير قصد في السابق أن لكل ذنب كفارة و أهل كلميم و الصحراء عامة ينتظرون كفارته.
المخاض شاق، طويل و عسير، بيد أن ولادة الدولة الحديثة لن تتأتى إلا بالقطع مع هكذا سلوكات و ممارسات، تكريسا و تنزيلا لدستور تاريخي وضع المغرب في ركب الأمم المتقدمة، حيث لا شيء يعلو على الحق و القانون و المؤسسات.