أصعب مرحلة يمكن أن تمر منها السياسة في البلد هي أن يتوقف بعد النظر، وأن يسود غموض الرؤية، وتغليب اعتبارات استعادة المواقع في مربع السلطة على متطلبات الاستجابة للتحولات.
مع الحراك الديمقراطي الذي اجتاح الشوارع العربية، خسر الجميع، وربح المغرب بفضل قدرته على تحويل ضغط التطلعات الشعبية إلى عامل استقرار بإعلان إرادة إصلاحية دعمت الخيار الديمقراطي وأوقفت خيار حزب السلطة.
النتيجة كانت مذهلة: هدأ الشارع، وتحملت الحكومة المنتخبة مسؤولية تقوية مالية الدولة وإخراجها من الأزمة، بما في ذلك مواجهة حجم من التطلعات لم تكن إمكانات الدولة تسمح بتلبيتها كاملة، وبعثت رسائل مهمة في الإنصاف ودعم تكافؤ الفرص، وأنتجت رؤيتها للمسألة الاجتماعية مركزة على الفئات الأكثر هشاشة وضمنت قدرا مهما من التوازن الاجتماعي.
بعد النظر في تحويل الأزمات إلى عناصر قوة، لم يسمح فقط بتحقيق هدف التهدئة والسلم الاجتماعي، وإنما رسم معادلة جديدة أعطت للمغرب ريادة وإشعاعا غير مسبوق: اتجهت الحكومة لبناء الاقتصاد وتعديل النموذج التنموي وتحسين الخدمات وأنظمة الحماية الاجتماعية بحضور قوي لتوجيهات الملك، مع إفساح زمن استراتيجي مهم للمؤسسة الملكية للتمدد بالمغرب في عمقه الإفريقي العربي، واستثمار نموذجه الديني والأمني لتقوية دوره الإقليمي، وتوسيع الرئة التي يتنفس منها الاقتصاد المغربي عبر تنشيط دبلوماسيته وعلاقاته الخارجية لكسب أسواق جديدة، كما كسبت المملكة بفضل معادلة: الداخل القوي بحكومته المنتخبة، والملكية النشيطة بتوجيهاتها للداخل وتحركها الفعال في الخارج، نقاطا قوية لفائدة القضية الوطنية، مكنت من إفشال سيناريوهات جد مرعبة.
بعد النظر أخرج المغرب من مأزق صراع المساحات بين القوى السياسية وبين الملكية، وقوى القاعدة الاجتماعية والسياسية للملكية، وجعلها تتحرك مسنودة بجبهة داخلية قوية وحقيقية، وزاد من قوتها أنها وجدت في القوى السياسية من يستطيع أن يبرر أهمية تفرغها للقضايا الاستراتيجية وانفرادها بتدبير السياسة الخارجية.
اليوم، ثمة من يريد أن ينسف كل هذا الرصيد القوي، ويستثمر بعض الأخطاء، ليعيد السياسة إلى المربع القاتم، بافتعال الصراع في المساحات بين القوى السياسية وبين الملكية، والدعوة إلى استثمار هذه اللحظة- لحظة عودة الشارع وعافية المالية العمومية وقدرة الاقتصاد المغربي على امتصاص الأزمات- لتبرير نمط من السلطوية، يضعف الجبهة الداخلية، ويجر السياسة إلى مستنقع ترتيب المواقع بدل استكمال رهان التمدد بالدور الإقليمي للمغرب..
ما ستجنيه السياسة من إعادة منطق التحكم، أن يطوى قوس ثان في تجربة الانتقال الديمقراطي بالمغرب، وأن يدخل المغرب مسارا مغلقا، يصعب بعده الاستنجاد بقوى سياسية جديدة لإعطاء معنى للسياسة وتجديد القاعدة الاجتماعية والسياسية للملكية.
المشكلة أنه في لحظة أزمة الحكومات الإدارية كان خيار الاتحاد الاشتراكي والقوى الديمقراطية موجودا، وفي لحظة انسداد خيار إلغاء المنهجية الديمقراطية، كان خيار العدالة والتنمية موجودا، لكن، ماذا بعد العدالة والتنمية؟ وأي قوى يمكن الاستناد إليها غدا؟
في كل التجارب الديمقراطية، تتقوى العملية الديمقراطية بتوسيع المشاركة السياسية، وتشجيع القوى المتطرفة على الاعتدال والدخول للعملية السياسية، لكن، في حالة توقف بعد النظر في المغرب، فإن الخيارات المتبقية جد محدودة، فالعدل والإحسان لحد الآن لا يمكن أن تقوم بهذا الدور، ولم يعد هناك من قوى متطرفة يمكن التعويل على اعتدالها سوى الجماعات السلفية ذات الخلفية الجهادية!
تكلفة غياب بعد النظر كبيرة، وأكبر منها قتل السياسة وإفراغ بطارية القوى المعتدلة التي لعبت دورا مهما في تبرير مساحات واسعة لتحرك المؤسسة الملكية، وإفقاد السياسة خيارات تأطير الشارع في حالة الأزمات.