عبد المجيد بن شاوية

بداية، يمكننا أن نستقصي مفردة الحجاب بإحالتها إلى حقل خاص ذي حمولة دينية، حتى نضع القارئ في مقابل حقيقة واقعية لمشهدنا المغربي العام بكل شعبه المتعددة، والوقوف عند منعرجات الخطابات والسلوكات لنخبنا المغربية على اختلافها، في علاقاتها بالمواقف والمبادئ، من جهة، وتناقضاتها بين الاعتقاد والممارسة، من جهة أخرى .

 

هذا لا يعني أن كل شخوص النخب المغربية في سلة واحدة، بل هناك استثناءات من هذا المعطى العام، إلا أن " الاستثناء لا يقاس عليه " بحسب القاعدة الفقهية، لكن والحال هذه لا يمكن فهم ما يجري في المغرب إلا من خلال محدودية فاعلية نخبه وسلوكاتها ومواقفها ومبادئها في ارتباط مع كل حقول المجتمع المغربي، وفيما بينها من تناقضات صارخة تصل إلى حد القطيعة الفعلية، بل إلى الضرب تحت الحزام بكل النعوت والأوصاف المخجلة، وإعداد المقالب مع سبق الإصرار والترصد المبيتين بنية القضاء على الحليف أو الصاحب ذي الجنب والقربى بسبب خلاف أو اختلاف في وجهات النظر أو المواقف أو بسبب انتقاد موجه على أرضية واقعة أو تصور أيديولوجي ما .
بين مملكة السماء ومملكة الأرض فروق شاسعة، كل منها دلالاتها الخاصة، فالأولى لا يمكن الحلول فيها إلا بامتلاك أدوات وطرق متميزة خاصة، للتعلق بإلهها المجرد والمتعالي، وقد ألهمتنا تجربة التصوف الإسلامية معنى خاصا لهذا الحلول عبر إزالة الحجاب العازل بين العبد المتعبد/ الناسك والرب، حيث إن الفضائل تبقى هي الوسائل القمينة لبلوغ درجات التسامي لأجل امتلاك الحقيقة الفعلية في الوجود الإنساني المادي الملموس النسبي الحقائق، في علاقاتها بالثابت المجرد المطلق صاحب الحقيقة المطلقة في ذاتها، بيد أن مملكة الأرض تتنازعها الحقائق النسبية، وتتأرجح بين الثابت النسبي والمتغير المطلق، فبين الثابت والمتحول مسافات طويلة، وهنا يمكننا أن نتساءل، كيف يمكننا أن نعتقد في فكرة أو مبدأ أو معطى ما ونجعله تابتا في حياتنا الاجتماعية في كافة تلاوينها، وننضبط لمقتضياته المنطقية في علاقاتنا بالية الاعتقاد الذهنية والتصورية والأيديولوجية والممارسة الفعلية الواقعية ؟ ، هذا ما يجب على نخب المغرب أن تبادر للإجابة عنه وبجرأة وشجاعة منقطع النظير، إذا ما توفر لديها شيء من هذا القبيل، وهو ما نستبعده في غالبيتها .
فإذا ما كان جائزا وممكنا ممارسة النقد أو الخروج على القافلة وشق الطريق في اتجاه أخر في مملكة أرضنا المغربية، بحكم منطق صيرورات الواقع ومجريات الأحداث ومعطيات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والأيديولوجية، فلماذا تعج مملكتنا الأرضية بالعهر النقدي والممارسات المرتدة على عقبيها نكوصا وتراجعا ونقضا لكل العهود وصدقية الأخلاق ومصداقية الكلمة والمعتقدات والإيمانات ؟ ولماذا نجد أنفسنا أمام شطحات الممارسات والخطابات معا، في صور فاضحة ومخجلة وتمثيلية رديئة على ركح المجتمع المغربي من قبل من يشخصون الأدوار الرسمية ومن شاكلهم في اللعب مدنيا في علاقة مصلحية قائمة فيما بينهم ؟ من مثل هذه الأسئلة وغيرها يطرح على لسان كل متأمل ودارس للواقع المغربي ومؤسساته القائمة وشخوصه القاطنة مملكتنا الأرضية، لينكشف الحجاب بينها أمام مرأى ومسمع القاصي والداني، فتحل بذواتها في واقعها المملوء عن أخره بكل الافتزازات والافتراءات والأكاذيب والمغالطات والتجريحات، والهمزات واللمزات، والنميمة والفضح، وأوجه النفاق والمكر، والتكسب والتزلف،والمدح والقدح، والضرب تحت الحزام وتوزيع التهم يمينا وشمالا، ولبوس الأقنعة الماكرة والحر بائية، كل هذا وغيره حاضر وبقوة في نخبنا المغربية مع استثناءات قليلة جدا، وهو ما تبرهن عليه الآن كل المعطيات على اختلاف مستوياتها، وهنا نقف عند الشرخ القائم بين مفهوم المعتقد والموقف والمبدأ والاقتناع وبين الممارسة والتطبيق لدى النخب المغربية بكافة أوجهها، مع كشف حساباتها الضيقة واللصيقة بتصوراتها لمصالحها وعلاقاتها المرادفة لمواقعها ومراكزها .
إن الكشف عن الحجاب لدى النخب المغربية بداخل دوائر حساباتها يعطينا صورا مكشوفة عن كيفيات واليات اشتغالها، ومدى صدقيتها في علاقاتها بمعتقداتها وإيماناتها المهزوزة والمنقطعة الصلة بمصالح المجتمع والوطن والدولة والإنسان المغربي، علاوة على النفخ في خطاباتها اللامتناهية وتخريجاتها السياسية والأيديولوجية المفضوحة، وهو ما يعطينا فرصة للتأمل في طبيعة نخبنا المتربعة على أهرام وعروش المؤسسات والمنتفعة فيما بينها في عمليات التوزيع غير العادل للثروات للبلاد واحتكار منافذ ومنابع كل الخيرات المادية والرمزية بمملكة أرضنا المغربية.
وإلى حين كشوفات حجب أخرى أمام أعين ومسامع الإنسان المغربي تحت وطأة الخلافات والاختلافات والمزايدات والانشقاقات والارتدادات والميولات البرجماتية الذاتية، التي تكشف عليها السيرورات التاريخية بواقع مملكتنا الأرضية الممتلئة برذائل الذاتية المقيتة والمجردة من كل إحساس أو وعي أو اقتناع مبدئي بمصالح الوطن العليا، وتناقضاتها الصارخة بين الخطاب والممارسة، إلى حين ذلكم وأعينكم بالمرصاد على سيناريوهات كل الحسابات البينية لدى نخبنا المغربية بكافة تلاوينها . مع المطالبة بكشف حجابها على طاولة مملكة الفضيلة على أرض مملكة الأرض.
بقلم / عبد المجيد بن شاوية