المهدي مستقيم

إن خير مثال على ظهور عقيدة جديدة لا وجود للملحدين بين معتنقيها بتعبير إيدواردو غاليانو صاحب رواية كرة القدم بين الشمس والظل، هو ما نشاهده في هذه الأيام التي تتزامن مع الرصد الدقيق والممل لمجريات كأس العالم المنظم في البرازيل، حيث الوصاية العسكرية ومشاكل الفقر والبطالة من جهة، والمطارات الجديدة والفنادق الفاخرة والملاعب العصرية والصحافيين من كل بقاع العالم،والمراكز الفخمة للبث الرياضي في الجهة المقابلة.

قبل انطلاق المباريات بدقائق قليلة تقبر المدن وتكتظ المقاهي ويتلاشى الروتين، ويحصل التوافق الاجتماعي الذي يدخل التوازن في النفوس المعذبة في مجال الصراعات و التناقضات. وتصبح شاشات المقاهي صنما مقدسا يعرض ألوهيته المتدحرجة بين أقدام اللاعبين لحشد من العبيد يلوحون بثيابهم ويبتلعون لعابهم وينهشون قبعاتهم ويتمتمون بصلوات وشتائم، ويؤمنون بورع أن فريقهم الملائكي هو الأفضل وأن كل الحكام مرتشين وجميع الخصوم شياطين.

لقد أصبحت كرة القدم منافسا حقيقيا للدين في تخدير الشعوب وسحق الثقافة وتقديس الجهل وإخصاء الجماهير وإبعادها عن النشاط الثوري. إنها مؤسسة إيديولوجية جديدة أنشأتها التكنوقراطية من أجل ممارسة سحرها الخبيث وإضمار وعي الطبقات المهيمن عليها وكسب رؤوس جديدة من القطيع.

فحتى كرة القدم لم تستطع أن تنفلت من مخالب التعصب الديني والسياسي، فالمتعة بالنسبة للمشجعين لم تعد تقتصر على انتصار الفريق وإنما على هزيمة الفريق الأخر.وهذا ما دفع غاليانو إلى القول بأن كرة القدم أصبحت صورة مجازية للحرب ،بل ويمكنها أن تتحول إلى حرب حقيقية، حيث يأخذ التعصب الكروي مكان الحماسة الدينية والعاطفة الوطنية والهياج السياسي، وتنتقل كرة القدم من لعبة للتسلية والمرح إلى وسيلة ترتكب باسمها أكبر الفظائع، تماما مثل تلك التي ارتكبت ولازالت ترتكب باسم الدين والوطن،وخير مثال يمكن أن نسوقه هنا هو تلك التطاحنات والمناوشات التي نشبت بعد انتهاء المبارات التي جمعت المنتخب المصري بنظيره الجزائري خلال تصفيات مونديال 2010 ، والتي أدت إلى سقوط العديد من الجرحى.

منذ أن بدأت شاشات التلفزيون تبث المباريات ظهرت صناعة جديدة تنافس أكبر الأعمال التجارية ربحا في العالم، صناعة حولت اللاعب إلى مخدر يباع ويشترى ويخضع لنظام عسكري صارم حيث الأعمال الشاقة والأطعمة المرة والماء، مكان الخمر والنوم الفردي ،كما تحول اللاعب إلى إعلان يجري ويلهث في كل زوايا الملعب حتى تلتقط الكاميرات الشعار التجاري الذي يبرز على قميصه والذي يحتل مساحة أكبر من مساحة الشعار الوطني لفريقه. فإذا رأيتم نجما ما يتماطل أثناء ربط حذائه فأعلموا أنه بصدد عرض ماركة ما قد تكون أديداس أو نايك أو رايبوك...

وها نحن نرى أطيافا من البشر يقدسون كرة تزن نصف كيلوغرام، البعض منهم يهيئ طقوسا خاصة لعبادتها داخل الملعب، والبعض الأخر يقضم أظافره أمام شاشات التلفاز.