يحيى بن الوليد

في بحر العام الجاري تـمّ استهداف زعيمة سياسية يسارية، بل وتتحمَّـل التسيير التنظيمي كما الفكري في حزب يساري ظل مقتنعا بإصراره على "مسافته الإيديولوجية" مع "النظام". وقد حصل ما سلف، وفي حال الزعيمة نفسها، من قبل حزب يساري صار "منهكا" و"مترهِّـلا" بل وأصبح على وشك من أن يفقد حتى قيمة أن يصير من "شواهد الماضي" بالنظر لتمكُّـن "مجرمين سياسيين" من "جهازه التنظيمي" لا "الفكري". مجرمين مصرِّين على اجتثاثه، ومن تمّ تحويله إلى "إسطبل" (سياسي) من إسطبلات الدولة. وهذا في الوقت الذي كان فيه من المفروض محاورة المرأة، ونقدها بـ"الأفكار السياسية"، بل وحتى بـ"جبروت الأفكار"، بدلا من خيار "معايرتها" بـ"الأنوثة الاستهلاكية" في دلالة ــ ومن قبل الباث ــ على نوع من "الخواء السياسي"؛ وهذا ما كنا قد كتبنا عنه تحت عنوان "مكبوت الفحل السياسي".

والآن يتكرر "المشهد" ذاته، ولكن في سياق أوسع وفي إطار يوسِّع من دوائر "الخطاب النقيض" الذي يتغذى من نيران "إسلام تخييلي" يقضي، وفي إطار من "مقصلة التأويل"، بالإصرار على سجن المرأة في وهاد الصمت والخرس والتنكر والتبعية... بل وجعلها عاجزة عن الكلام، وقبل ذلك الإصرار على عزلها عن المجال العام الذي يخوِّل لها حق "التدخل" و"الكلام". وبالتالي تأكيد مقولة "المرأة التي لا وجود لها في العالم الثالث" التي هي مقولة "الصمت الميت" كما اصطلح عليه البعض.

لا يهم، هنا، استحضار الأشخاص، ولا يهم تسمية الإطارات والهيئات التي يصدرون عنها، الأهم ــ والأخطر في الوقت ذاته ــ هو "الخطاب" الذي يصدر عنه هؤلاء الأشخاص. ولا داعي للتأكيد على خطورة الخطاب، ولاسيما حين يرقى إلى أن يجعل من الناس أو المجموعات "مجلى" له اعتمادا على الآليات السافرة والزاعقة للتشحين والتجييش. ومن ثم منشأ الفرق بين "الدين" و"الخطاب" الذي يتم إنتاجه حول النص المؤسِّـس.

وهذا مع مفارقة صارخة مفادها أنه في "مغرب اليوم" السائد هو خطاب يظهر أنه عاجز حتى على ذلك النمط من التجييش الذي يتطلب "تكوينا" أو "قاعدة معرفية" قد ننعتها بأوصاف تمتد من "التعصب" إلى "التطرف" إلى "الإرهاب" (وطبعا بغير معناه المتداول في المعجم الأمريكي الإمبريالي)... إلخ. السائد خطاب مباشر سافر... يتم الإصرار فيه على نزع "الأنوثة" أو حتى "الآدمية" من المرأة. وفي هذا السياق ما معناه أن تنعت النساء، من اللواتي خرجن مؤخرا في تظاهرة في الشارع، بـ"المسترجلات". فمضمر الخطاب، هنا، ليس قائما على "الإبعاد" فقط (الإبعاد من "المشاركة السياسية" ومن منظور "مقاربة النوع" ذاته)، وإنما هو قائم على "المحو" أيضا. محو "الهوية الجنسية"، للمرأة، وهي الترجمة اللائقة لمفهوم الجندر.

أجل إن "بنات شهراز" خرجن للشارع، مثلما تظاهرن فيه، بفائض من "الانتقاد" و"الغضب". ومن حقهم ذلك مثلما من حق الطرف "المستهدف" الدفاع عن نفسه. ونحن، هنا، لا ندافع عن طرف ضد آخر، وقبل ذلك نحن ضد التطرف في صيغتيه المتدافعتين والمتنابذين. نحن ضد خطاب "متيبس" و"عدائي"، خطاب يرتكز على "ماكينات كراهية المرأة" ــ والأفظع ــ باسم تصوّر يتم التستّـر فيه على مرجعيته "الدفينة" و"الحقيقية".

وإذا كان الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو يتصوّر أن "التاريخ الذي يقودنا ويحكمنا له شكل الحرب لا شكل اللغة، وأنه علاقات قوة أكثر منه علاقات معنى" فإنه في الحال المغربية نحن بعيدون عن "اللغة" لفائدة التخندق في "حرب تبدأ قبل أن تبدأ" وعلى ما في هذا القول من تناقض ظاهري. ومن ثم فتوصيف "المسترجلات" لا يبدو غريبا أو نشازا، بل هو مجرد تنويع في سجل "الخطاب النقيض" الذي هو خطاب الاستئصال والاجتثاث.

إن نيران "ثقافة الكراهية" تحول، وكليا، دون الأخذ ولو بالحد الأدنى من جدوى الاعتقاد في كون أن "النساء دفعن أغلى الثمن" وكيف أنه ليس ثمة "صوت صغير للتاريخ" مستقلا عن المجال السياسي الأكبر" كما يقول أحد دارسي "صحوة التابع" في الهند. هذا بالإضافة إلى أنهن، وفي المغرب أبدا، أسهمن بدورهن في وصولنا إلى "هامش الحرية" هذا الذي أوصلنا إلى هذا "الخراب" غير المسبوق في عالم السياسة والسياسيين. ورغم ذلك فهو هامش ينبغي الحفاظ عليه وتدبيره بدلا من إغراقه في خطاب عدائي مفتّـت ومسحوق.