تائج الانتخابات البرلمانية ليوم 7 أكتوبر 2016 بالمغرب، هي كارثة وطنية سياسية بكل المقاييس. لماذا؟ لعدة اعتبارات. أبرزها ما يلي :

1) غالبية المصوّتين من الشعب صوّتوا لصالح أحزاب محافظة، أو يمينية، أو رجعية. وإذا قبلنا بأن نُسمّي الأشياء بأسمائها، فالحزب الأول في الانتخابات هو حزب إسلامي أصولي رجعي، يُسمّى ”حزب العدالة والتنمية“. وقد حصل على المرتبة الأولى، وذلك للمرّة الثانية في تاريخ المغرب (بعد سنة 2011). وهو حزب ”رجعي“ لأنه يعارض الحداثة، وينبذ العقلانية، ولا يقبل كل مبادئ الديمقراطية، ويرفض المساواة بين المرأة والرجل، ويطمح إلى الرجوع بالمجتمع إلى قيم القرن السّابع الميلادي. وحينما لا ينجح في تحقيق بعض طموحاته الإسلامية الأصولية، فالحل البديل الذي يلجأ إليه هو دائما الرأسمالية المتوحّشة. وقد حصل هذا الحزب على 125 مقعدا، من مجموع 395 مقعدا في البرلمان. يليه في التّرتيب حزب رأسمالي يميني محافظ، هو ”حزب الأصالة والمعاصرة“، (102 مقعدا). بينما الأحزاب التي يُفترض فيها أنها تقدمية، أو ديمقراطية، مثل ”الاتحاد الاشتراكي“ (20 مقعدا)، و”التقدم والاشتراكية“ (12 مقعدا)، و”فيديرالية اليسار الديمقراطي“ (2 مقاعد)، بقيت متجاوزة، أو مهمّشة، أو مهزومة، أو فاشلة، رغم قِدَمِهَا.

2) قد يقول قائل أن هذه الانتخابات مغشوشة، أو مزوّرة، أو أنها لا تعبر بدقّة عن الواقع. لكن، الشكّ في نزاهة تنظيم الانتخابات، التي تُشرف عليها وزارة الداخلية، لا يبرر ادعاء أن كتلة المصوّتين المساندين لِ ”حزب الاتحاد الاشتراكي“، أو كتلة المصوّتين المساندين لِ ”فيديرالية اليسار الديمقراطي“، تُساوي، أو تُضاعف، كتلة المصوّتين المساندين لِ ”حزب العدالة والتنمية“. فأحجام أنصار كل حزب ملموسة، وَوَاضحة للجميع، في الميدان. والنتائج المُعلنة محتملة فعلاً. لنفترض مثلا أن نتائج هذه الانتخابات تعكس حقيقة نِسَبَ المصوّتين المساندين لكل حزب، ولو بدرجة 80 في المئة. ولو في هذه الحالة، تبقى نتائج هذه الانتخابات كارثة وطنية وسياسية، وبكل المقاييس. وعلى من يقول أنها لا تشكل كارثة، أن يشرح لنا : لماذا تصوّت غالبية جماهير الشعب لصالح الأحزاب اليمينية، والرجعية، و”المَخْزَنِية“، ولا تصوّت لصالح الأحزاب التقدّمية، ولصالح قوى اليسار ؟ ولماذا لا تصوت أحياء العمال، والطبقة العاملة، لصالح قوى اليسار ؟ ولماذا لا يصوت الفلاحون الفقراء والصغار لصالح قوى اليسار ؟ وإذا لم تستطع القوى التقدّمية أن تقنع معظم جماهير الشعب، فما هي أسباب ذلك؟ ومن يتحمّل مسؤولية هذه الأسباب؟ وإلى متى ستبقى هذه الأسباب قائمة؟

3) نتّـفق أن ميول نتائج هذه الانتخابات لصالح أحزاب يمينية يعكس تخلف مستوى الوعي السياسي لدى غالبية الشعب. والإلتزام المبدئي بالدفاع عن مصالح الشعب لا يبرّر نكران واقع تخلف الوعي السياسي لدى هذا الشعب. لأن غالبية جماهير الشعب لا تدرك مصالحها الاستراتيجية، ولا تفهم ما هي نوعية القوى السياسية التي يمكن أن تساهم في تحقيق تلك المصالح الاستراتيجية. والفئات الشعبية التي صوّتت لصالح حزب إسلامي أصولي رجعي، لا تفهم أن هذا الحزب سيُغرقها في تقهقر اقتصادي، وسياسي، وثقافي، وحضاري. رغم أن الشعب بدأ يلاحظ بداية سلسلة الفضائح المتنوّعة التي يقترفها أعضاء ”حزب العدالة والتنمية“.

ونتائج هذه الانتخابات البرلمانية الأخيرة تعكس، في نفس الوقت، تخلف قوى اليسار. لأن قوى اليسار فشلت في مواجهة الأحزاب الرجعية واليمينية. ولأن قوى اليسار خسرت في مجالات توعية الجماهير، وتنظيمها، وتعبئتها. وانفضح، للمرة الثانية (بعد ”حركة 20 فبراير“) أن قوى اليسار لا تعرف جيّدًا فنون العمل السياسي، ولا تجتهد لتطبيقها. وقيادات أحزاب اليسار هي مسؤولة عن هذه الكارثة السياسية، ونحن أيضا، مناضلو قوى اليسار، كلّنا نقتسم مسؤولية هذه الكارثة، دون أي استثناء. وكل مناضل لا يعترف بالمشاركة في اقتسام مسؤولية هذه الكارثة السياسية، ليس في مستوى الانتماء إلى القوى التقدمية والديمقراطية.

4) قد يقول قائل أن ”حزب النهج“، الذي دعا لمقاطعة هذه الانتخابات، هو على حق، أو أنه غير معني بهذه النتائج الكارثية. ومثل هذا الاستنتاج سيكون فضيحة سياسية إضافية. لأن الدعوة للمقاطعة لم تنجح (رغم تكرارها منذ عشرات السنين). حيث أن عدد المصوّتين، مرورًا من انتخابات عامة إلى أخرى، يتزايد، ولا ينقص. ولأنه لا يحقّ لأحد أن يُؤوّل موقف جميع المواطنين الذين لا يصوّتون، بكونهم «يُقاطعون الانتخابات»، بينما موقف معظم المواطنين الذين لا يُصوّتون هو فقط «عدم الاكتراث»، أو «عدم الاهتمام» بالانتخابات، وليس بالضرورة «المقاطعة». والفرق بين موقف «المقاطعة»، وموقف «عدم الاهتمام»، هو شاسع. ولأن حصول أحزاب رجعية ويمينية على المراتب الأولى في الانتخابات البرلمانية، هو كارثة وطنية وسياسية وشاملة. وهذه الكارثة هي كارثة أيضا على ”حزب النهج“ الذي يقاطع الانتخابات. لأن هذه الكارثة تفضح تخلف قوى اليسار، بما فيها تخلف ”حزب النهج“. ونقط الضّعف الموجودة في أحزاب اليسار، توجد أيضا في ”حزب النهج“. ولأن ”حزب العدالة والتنمية“ سيمرّر سياسات رجعية على الشعب، وكذلك على أعضاء ”حزب النهج“. والمرجو، هو أن لا تتحوّل ”مقاطعة الانتخابات“ المتكرّرة إلى ستار يخفي ”حزب النهج“ من وراءه نقط ضعفه، والتي لا تختلف عن نقط ضعف باقي أحزاب اليسار.

5) ادّعى البعض أن مظاهرة الدار البيضاء (في يوم الأحد 2 أكتوبر 2016) هي التي دفعت جماهير واسعة إلى الوقوف إلى جانب ”حزب العدالة والتنمية“. وهذا تخمين غير علمي، وغير مبرّر، وغير صحيح. ويحاول إخفاء أهمية التأييد الجماهيري الذي حصده ”حزب العدالة والتنمية“.

6) لو كنتُ شخصيا في موقع بعض قادة أحزاب اليسار المحترمين، مثل إدريس لشكر (حزب الاتحاد الاشتراكي)، أو نبيلة منيب (الاشتراكي الموحد)، أو علي بوطوّالة (الطّليعة)، أو عبد السلام العزيز (المؤتمر الاتحادي)، أو مصطفى البراهما (النهج)، لقدّمتُ استقالتي، ودعوتُ لعقد مؤتمر استثنائي للحزب، وذلك اعترافا مني بهول هذه الكارثة السياسية، واعترافا مني بعدم قدرتي على تحصيل نتائج سياسية مرضية، ثم سأشجع مسؤولين آخرين في الحزب على اقتراح وتجريب مناهج أخرى جديدة ومبدعة، في مختلف مجالات التنظيم، والتعبئة، والنضال. وإذا لم تكن هذه المناهج البديلة موجودة بعدُ، فيجب ابتكارها جماعيا.

7) في تغريدة للمناضل المحترم اليزيد البركة على الفايسبوك، طرح أن فهم الانتخابات يتطلب معرفة ما هي الفئات المجتمعية التي صوّتت لصالح كلّ حزب محدّد، وكيف برّرت، أو عَقْلَنَت، تصويتها. وهذا الطّرح صحيح ومفيد. ويستحقّ أكثر من دراسة واحدة معمّقة. وفي هذا المجال، تثير الانتباه عدّة ملاحظات. الملاحظة الأولى هي أن غالبية الكتلة المصوّتة (قرابة 55 أو 60 في المئة) تتكون من النساء التقليديات. وميزة هذه الكتلة من النساء التقليديات هي أنها غير مكوّنة، أو محافظة، أو تتأثر بسهولة بالخطاب الرسمي (التلفزة، المذياع)، وبالخطاب الدّيني، وبتوجيهات السلطات المحلية (المقدم، الشيخ، المقاطعة). والملاحظة الثانية هي أن غالبية المصوّتين على ”حزب العدالة والتنمية“ يطابقون بين الدّين والحزب الدّيني (أي ”حزب العدالة والتنمية“). وكلّما أدلى زعماء هذا الحزب بخطاب يعنون به أن «الدّين مهدّد في المغرب»، فإن هذه الجماهير الشعبية الجاهلة تصوّت لصالح هذا الحزب الدّيني. وتظنّ هذه الجماهير أنها هكذا تنقد الدّين، أو تدافع عنه، بينما هي لا تنقد سوى حزب رأسمالي مخادع، يستغل الدّين لتحقيق أغراض خصوصية ضيّقة، أبرزها الوصول إلى السلطة، واستثمارها.

8) وفي تغريدة أخرى على الفايسبوك، اقترح المناضل المحترم منعم أوحتّي، دعوة موجهة لقوى اليسار، لتنظيم ندوة عامّة، بهدف القيام بتقييم مشترك لنتائج انتخابات أكتوبر 2016، ولاستخلاص الدروس منها. واقترح فيها استدعاء الأحزاب التالية: الاتحاد الاشتراكي، التقدم والاشتراكية، فيديرالية اليسار الديمقراطي. ولم يذكر اسم ”حزب النهج“. بينما هذا الحزب هو أيضا معني بكارثة هذه الانتخابات، بل يتحمّل هو أيضا جزءا من مسؤوليتها. وكل مناضل من مناضلي اليسار يتحمّل جزءًا من مسؤوليتها. بل سيعاني ”حزب النهج“ هو أيضا من نتائجها المدمّرة. زيادة على ذلك، فإن اقتراح هذه ”الندوة“، ليس مجرد مطلب اختياري، أو استجداء، بل هو واجب، يتحتّم على قوى اليسار إجازه، ولا يحق لقيادات قوى اليسار أن تتهرّب منه. وإلاّ أصبح من واجب المناضلين القاعديين في قوى اليسار أن ينظموا هذه الندوة التقييمية، هم بأنفسهم، سواء بحضور قيادات قوى اليسار، أم بدونها.

9) وفي تغريدة أخرى، طرح المناضل المحترم جمال فلاح ضرورة فهم هذه «الانتكاسة». واعتبر أن «فشل نبيلة منيب يحتّم عليها تقديم الحساب، والنقد الذاتي، ولما لا الاستقالة». وأضاف أن «اليسار هو الخاسر الكبير أمام سطوة الدّين والمال». وتساءل عن حق: «هل فقد اليسار بوصلة التأثير على المجتمع»؟. وقد يوجدون مناضلون آخرون يحسّون بمشاعر مماثلة.

10) ادّعى بعض المناضلين الآخرين المحترمين أن ”فيديرالية اليسار الديمقراطي“ حقّقت «نتائج مشرّفة»، حيث رفعت عدد الأصوات المصوّتة عليها بقرابة 50 أو 60 في المئة، بالمقارنة مع الانتخابات المحلية في 4 شتنبر 2015. وهذا تقييم غير صحيح. فهل يُعقل أن الأحزاب الثلاثة المجتمعة في ”فيديرالية اليسار الديمقراطي“، التي يتجاوز عمرها أكثر من ثلاثين سنة، أن تحصل فقط على 2 مقاعد، بالمقارنة مع 125 مقعد التي حصل عليها ”حزب العدالة والتنمية“؟ الصراحة هي أن تحصيل 2 مقاعد فقط يُسمّي، في اللغة الواضحة، بِ «الفشل المُدوّي»!

11) واختلف بعض المناضلين الآخرين حول تفسير التـقهقر المتواصل لِ ”حزب الاتحاد الاشتراكي“. وقد فسّر البعض هذا التقهقر بكون الحزب ما انفكّ يبتعد عن المبادئ والقيم الثورية، منذ المؤتمر الاستثنائي في سنة 1975. ولا يزال يبتعد عنها. والبعض الآخر فسّر هذا التقهقر بكون هذا الحزب لم يبتعد بما فيه الكفاية عن الأفكار الثورية، وأن واجب هذا الحزب هو أن يصبح يمينيا أكثر. كأن أصحاب هذا الرّأي الأخير يريدون لِ ”حزب الاتحاد الاشتراكي“ أن يصبح مثل ”التجمع الوطني للأحرار“، أو مثل ”حزب الأصالة والمعاصرة“. دون أن يوضحوا لنا ما الفائدة من إضافة حزب يميني إلى الأحزاب اليمينية المتعددة الموجودة حاليا.

12) قال البعض: «نتائج انتخابات سنة 2016 مُخيّبة للآمال، ولا أحد يدري إلى أين سيقودنا ”حزب العدالة والتنمية“». وهذا رأي غير دقيق. لأننا نعرف جيّدًا إلى أين تقود الأحزاب الإسلامية الأصولية عندما تتقوّى. إنها تقود دائما، وفي آخر المطاف، إلى حرب أهلية، وإلى الخراب، وإلى الانحطاط. إن لم يكن ذلك على مدى 5 سنوات، فقد يحدث على مدى 15 أو 20 سنة. ما الفرق بين حزب إسلامي أصولي مثل ”حزب العدالة والتنمية“، وحزب مثل ”داعش“ في سورية؟ الفرق هو أن ”داعش“ في طور المراهقة، بينما ”حزب العدالة والتنمية“ لا زال في طور الطفولة. هذا ما لا يفهمه الشعب، رغم أن ظاهرة هذا التطوّر حدثت، وتكرّرت، في كل من لبنان، وأفغانستان، وباكستان، والعراق، وسورية، واليمن، ومصر، والصومال، وليبيا، والجزائر، إلى آخره.

13) لتوسيع الفائدة، يمكن لمن يهمّه الأمر، فيما يخص فهم ظاهرة ”الأعيان“، وظاهرة ”محترفي الانتخابات“، الرجوع إلى وثيقة «نقد النّخب»؛ وفيما يخص نقط ضعف أحزاب اليسار، يمكن قراءة كتاب «نقد أحزاب اليسار بالمغرب»، للكاتب رحمان النوضة. ويمكن قراءة، أو تنزيل، هذه الوثائق من الموقع الإلكتروني التالي: (https://LivresChauds.Wordpress.Com).

عبد الرحمان النوضة (حرّر في 10 أكتوبر 2016).