مصطفى يوسف اللداوي

نجح العدو الصهيوني فيما فشلت فيه السلطة والقوى الفلسطينية المختلفة، فقد وحد قمعُه الشعبَ الفلسطيني، وجمع بطشُه شتاتَه، ونبهت الشعبَ تهديداتُه، وأيقظته تصريحاتُ قادتِه من أحلامه، وأعادته رعونتُها إلى أصل صوابه، ووصلت دباباتُه من انقطع من أرضه، وأعادت ربط ما عزل من بلداته.

وألقى بصواريخه في قلوب الفلسطينيين جميعاً تماسكاً وتلاحماً، وتعاطفاً وتضامناً، ومحبةً ورأفة، ومودةً ورحمة، وثورةً وانتفاضة، وثأراً وانتقاماً، وأذابت نيران أسلحته الجليد الذي عزل الفلسطينيين عن بعضهم، وأبعدهم عن أهدافهم، وفرق بينهم، وران على قلوبهم، وجعلها صدئة قاسية على بعضها، عنيفةً فيما بينها، تكره ولا تحب، وتحسد وتحقد، وتسعى بالشر ولا تتمنى الخير، وتنقلب على بعضها، وتغدر أهلها، وتتآمر على شعبها، وتتعاون مع العدو ضد مصالح وطنها.

نجح العدو الصهيوني في أن يجعل الفلسطينيين جميعاً صفاً واحدة، وصوتاً موحداً، وجبهة مشتركة، وعدواً واحداً، في مواجهة حملته الشرسة، الباغية الطاغية، التي استعرت والتهبت، واشتعلت ناراً عظيمة، وطالت بألسنة نيرانها كل بيتٍ فلسطيني، واستهدفت كل الشخصيات والرموز، والقادة والكوادر والأفراد وعامة الناس، دون تفرقة بينهم في انتماءٍ أو ولاء، وبغض النظر عن الأعمار والأنساب، ومكان الإقامة وجهة العمل، فقد جعلهم العدو كلهم له هدفاً وعنواناً للقتل أو الاعتقال، وما تعرض له الصبي أبو خضير في القدس بعد صلاة الفجر إلا دليلاً على العمى الصهيوني البغيض، والعداء الشامل المستحكم، الذي لا يميز بين الضحايا، ولا يفرق بين الخصوم، ولا يعنيه غير الفريسة، أياً كان عمره أو انتماؤه، ما دام أنه فلسطيني.

بينما فشلت القوى الفلسطينية كلها، سلطةً وفصائل، ضفةً وغزة، وداخل وخارج، وأحراراً ومعتقلين، ونقاباتٍ ومستقلين، ووسطاء وسعاة خير، في رأب الصدع الذي بينها، وحماية المصالحة التي تم التوصل إليها، والتي دفع الشعب الكثير من حسابه لأجلها، وفي سبيل الوصول إليها، وعجزت القوى جميعها عن جلب الفرح لشعبهم، ونشر السلام في بلادهم، ونسج المحبة بينهم، أو خلق فرصٍ للعمل لهم، أو تخفيف بعض معاناتهم، بل لم يستطيعوا منع الحزن من أن يتسرب إلى نفوسهم، أو أن يسكن قلوبهم، وتركوا القلوب كليمة، والنفوس حسيرة، وعمقوا الجراح المفتوحة، وزادوا الهموم الثقيلة، والديون المقعدة، والأعباء المرهقة.

مخطئ من يظن أن الشعب الفلسطيني مختلفٌ فيما بينه، ومتصارعٌ مع أبنائه، وأنهم السبب في هذا الصدع، وأحد عوامل الانقسام والتشرد، فما من بيتٍ فلسطيني إلا وفيه أخلاطٌ من التنظيمات والأحزاب، ففي كل بيتٍ يعيش الأخوة والأشقاء، وأبناء العمومة والأهل، ممن ينتمون إلى فتحٍ وحماس، وإلى الشعبية والجهاد، وإلى غيرهم من القوى الفلسطينية، فما اختلفوا وما انقسموا، ولا حمل بعضهم ضد الآخر سلاحاً، ولا رفع في وجه أخيه بندقية، ولا حاصر أحدهم الآخر، ولا حرمه العمل أو منعه من الوظيفة، بل إن أعلى درجات التكاثف والتعاضد نجدها في البيت الفلسطيني الواحد، الذي يديره الأب الحيكم، والأم والرؤوم، والشقيق الكبير المسؤول.

والحال نفسه في السجون والمعتقلات، التي يزج فيها العدو الصهيوني بكل أبناء الشعب الفلسطيني على اختلاف انتماءاتهم، وتعدد ولاءاتهم، وهم وعلى الرغم من قيدهم، فإنهم حكماء عقلاء، كباراً شيوخاً، يزنون القضايا بحكمة، ويتعاملون مع الهموم بمسؤولية، ويفكرون في شعبهم، وتشغلهم معاناته، وتقلقهم همومه ومشاكله، وفي سجنهم يؤثرون بعضهم بعضاً، ويتنازلون لأنفسهم عن حقوقهم وحصصهم، ويقلقون على مريضهم، وينشغلون بمن ابتلي منهم، ويتضامنون ويتواسون، ويتعاونون ويتآزرون، ويعرفون أنهم يرسمون في قيدهم أعظم صورة لنضال شعبٍ ومقاومة أمة.

الفلسطينيون ضحية أحزابهم وتنظيماتهم، وفريسة اختلافهم وقلة وعيهم، فهم يختلفون على السلطة، ويتصارعون على المصالح، ولا يعنيهم شعبهم وما يعاني، ولا يهمهم ما يواجه من تحدياتٍ وصعاب، وما يلقى من مصائب وأهوال، بل إنهم يرون مصالحهم في انقسام الشعب، واختلاف أبنائه، وتعدد انتماءاته وولاءاته، وهم يخلقون بسياساتهم الرعناء، ومفاهيمهم المريضة العوجاء، حواجز بين أبناء الشعب، ويزرعون في صفوفهم الفرقة والتنابذ، والحقد والكره والحسد، ويجعلون من الاختلاف عداوة، ومن الإنتماء الحزبي هوية ووطنية، ويذكون بالمال والوظائف نار الحصومة والصراع، ويستخدمون الحوافز والمغريات في الإيقاع بين أبناء شعبهم، وإيغار قلوبهم، وزرع الضغينة والحقد بينهم، ويوهمون أنفسهم والآخرين أنهم على الحق يسيرون، وعلى جادة الصواب يمضون، وغيرهم فاسدٌ منحرف، ضالٌ وتائه، وعميلٌ وخائن.

إنه لعيبٌ فاحشٌ، ومنقصةٌ كبيرة، أن يقوم العدو بالواجب، ويحقق للشعب أمانيه في الوحدة، ولو قسراً بالسلاح، وقهراً بالاعتداء، وسفكاً للدماء، وحبساً للحريات، بينما تقف القيادة الرسمية والفصائلية عاجزة ضعيفة، ومترددة مهزوزة، بل متآمرة ومشاركة، في تمزيق الشعب وتعميق الشرخ بين أبنائه، في وقتٍ نحن فيه في أمس الحاجة إلى الوحدة والتلاقي، والتفاهم والتصالح، فهذا شعبٌ عظيمٌ، رسم أعظم صورةً للمقاومة والنضال، وأعطى أجمل نموذجاً للتضحية والفداء، لذا فإنه يستحق قيادةً رشيدة، وسلطةً حكيمة، وأولياء أمورٍ صادقين مخلصين، عقلاء غيورين، يخافون الله ويتقون فيه شعبهم وأهلهم.