محمد لعبيدي

ما يحدث اليوم داخل المشهد السياسي والحزبي المغربي، يبعث على القلق، وينذر بمستقبل سياسي مؤجج، بين شرائح واسعة من المواطنين، والاحزاب بمختلف ايديولوجياتهاوأغلبيتها ومعارضتها، بحيث اليوم لا تفصلنا سوى أشهر قليلة عن اجراء أول انتخابات جماعية، بعد الدستور الجديد والربيع الديمقراطي، ولهذه الانتخابات أهمية قصوى، حيث تؤثر بشكل ظاهر وواضح في الانتخابات التشريعية القادمة، التي ستجرى خلال نهاية السنة القادمة.
وقد انطلقت حملة التسجيل في اللوائح الانتخابية الشهر الماضي ،ومن المرتقب أن تنتهي مع نهاية منتصف الشهر الحالي، هذه الحملة التي تجندت لها الاحزاب ووسائل الاعلام العمومي بشكل واسع، لم تسفر سوى أن اضافة ما لا يتجاوز 300 ألف ناخب جديد، دون اغفال العدد الكبير الذي تم الغائه وتشطيبه من على اللوائح الانتخابية والذي قدّر حسب بلاغ وزارة الداخلية المغربية ب 30 الف، وقد قال وزير الداخلية المغربي تعليقا على هذا الوضع “لا يمكننا اجبار النّاس على تسجيل أنفسهم، واقتيادهم نحو مكاتب التسجيل”.
في الحين الذي تشهد العديد من المناطق المغربية، حملة مضادة يقودها في أغلب أحيان شباب معطلون، وساكنة الجبال التي تعاني ويلات البرد والتهميش، وانتشار كتابات حائطية، تدعو المواطنين المغاربة الى مقاطعة الانتخابات، ويمكن تبرير هذا السلوك المضادة والرافض للمشاركة في العملية الديمقراطية الى عدة أسباب وعوامل، أبرزها تفشي ما بات يعرف بأن الفقراء يزدادون فقراً والاغنياء يزدادون غنًى، وأضف الى ذلك أفواج الكبيرة والهائلة من المعطلين، التي تساهم فيها جميع العائلات المغربية دون استثناء، وقد أكد ذلك المندوب السامي لإحصاء والتخطيط، حيث أكد في ندوة صحفية سابقة أن المنطق السائد للولوج الى الوظيفة في المغرب، طبعته المحسوبية والزبونية في أغلب الاحيان، وناهيك عن الفضائح التي تتسرب الى وسائل الاعلام المحلية حول تلاعبات في مباريات التوظيف وما الى غير ذلك، مما يعطي انطباعاً سيئا لدى المواطن البسيط الذي لا يملك أمام هذا الوضع المؤرق سوى التذرع الى الله، هذا في الشق المتعلق بالوظيفة والعطالة، أما عن مظاهر التهميش والاقصاء والحرمان، فلا حصر لها، والتساقطات الثلجية الاخيرة، التي عرفتها عدة مناطق جبلية مغربية، عرّت العديد من الوقائع، التي يندى لها الجبين، ويقشعر لها البدن، حيث صرحت هذه الساكنة، “أنه لو تقدم البغل عندنا في الانتخابات لا صوتنا عليه”، “البغل دابة تعيل الساكنة الجبلية في قضاء جميع مآربها اليومية”، في الحين الذي تتصارع الاحزاب السياسية والنخب السياسية، في متاهات الخطاب السياسي التافه، الذي مرده خلق بوليميك فارغ، يصبو الى صرف نظر العامة، بتعبير جورج أورويل عن المواضيع المهمة والاشكالية البنيوية لأجهزة الدولة والتدبير العقلاني لمواردها، في زمن تنجب فيه الحوابل في ممرات المستشفيات، وما الى غير ذلك من مظاهر البؤس الاجتماعي.
أقولها وسأرددها دائما أن الازمة في المغرب الحبيب، ليست أزمة نظام بقدر ما هي أزمة نخب، نخب قادرة على مواكبة تطور المجتمع المغربي من شتى المناحي، لا سياسية ولا فكرية ولا اجتماعية، اذ أن النظام الملكي الحالي، جاء بدستور، أفضل من الدساتير الماضية، وراعى في العديد من جوانبه مطالب الشارع المغربي، لكن ها نحن لدينا دستور، ولكن مع الآسف الكبير من يملك جرأة تنزيل مقتضياته على أرض الواقع، بدل وضعه في رفوف الانتظارية، عادة النخب السياسية والفكرية هي من يناط لها هذا الدور، لكن في المغرب الحبيب، لا نملك نخب من هذه الطينة، ونخبنا الحالية، لا شيء يغريها أكثر من تطعيم أرصدتها البنكية، وتغيير منازلها القديمة بأخرى جديدة، مؤتته بأرقى مظاهر البذخ والترف، وصدق القائل دستور العاهل محمد السادس في حاجة لنخب الراحل الحسن الثاني، وهذا تعبير يلخص واقع النخبة المغربية.
ندرك كما يدرك أغلب مواطني المغرب الحبيب، أن مقاطعة الانتخابات، ستستفيد منها في جميع الحالات النخب السياسية الحالية وأحزابها، لكن ما لا تدركه هذه النخب، أن عزوف الاغلبية عن اسهام في انجاح التجربة الديمقراطية المغربية، لا محالة سيعطي انطباعا سيئا عن واقع البلاد، مما سيدفع بلدان العالم، لطرح عدة استفهامات حول طبيعة النخب المغربية، وبشكل مبسطة، “لماذا يقاطع المواطن المغربي الانتخابات؟”، والاجابة عن هذا التساؤل، حتماً لها ما لها من تداعيات سلبية وغير محمودة على المشهد الحزبي المغربي.
ومن وجهة نظري الخاصة، لازالت سحب الربيع الديمقراطي، تخيم فوق سماء المغرب الحبيب، اذ أن فقدان الثقة في الفاعل السياسي بشكل كبير، كما يحدث اليوم في المغرب، والتشابه والتلاقي الفطري بين مختلف مكونات الشعب المغرب، لا يمكنه سوى أن يحرك مياه الاحتجاج من جديد، وبمطالب كبيرة، لكن هذه المرة ستكون المعركة بين الشعب والاحزاب، وفي ظل غياب حزب المرحلة والظرفية الراهنة، ستفرزه الاغلبية الصامتة، من رحمها، كما حدث في العديد من الدول، التي شهدت تغيرات جدرية سلمية، وأفرزت نخب بتاريخ نزيه وأوجه جديدة (اليونان مثلا).
ان ما نعيشه اليوم، يدعو الى القلق، ويبعث على الارقْ، معناه أنّ الوطن ليس بخيرْ، ويزداد حاله سوءًا يوماً بعد يومْ، وما يقوله السياسي، لا يبعثْ على التفاؤل كما يظنْ، بل يبعث على التشاؤم، ولا يسعني الا أن أنشد ما قاله نزار ذات يوم عن الوطنْ، “قلبي عليكْ..يا وطني وأنتَ تنامُ على الحجَرْ”