مصطفى الفن- قامت الدنيا ولم تقعد بعد ليس لأن شابا استقلاليا اسمه عادل تشيكيطو ضبط متلبسا بسرقة المال العام أو استغل نفوذه كبرلماني عن مدينة تمارة للاغتناء غير المشروع أو خان وطنه أو تخابر مع العدو أو سرب وثائق سرية تهم الأمن القومي للمغرب وأجهزته الحساسة أو قام بزيارات سرية لإسرائيل لمجالسة مجرمي يمينها المتطرف دون أن يراعي أن الملك محمد السادس هو رئيس لجنة القدس.

لا يا سادة، ولا يا ناس، ولا يا عالم. الدنيا قامت ولم تقعد بعد لأن الشاب تشيكيطو ربما "مارس" العادة السرية، ومارسها عاريا وفي منزله، نعم في منزله وليس في الشارع العام؟؟. وا أسفاه على هذا النقاش من الدرك الأسفل.

لكن المثير في هذه القضية هو أن البعض اعتبر نشر الصور العارية لتشيكيطو فتحا مبينا وسبقا صحفيا نادرا يفرض علينا أن نرفع له القبعة، بل هناك من دعا إلى تكييف تهم ثقيلة ضد تشيكيطو ورميه في السجن كأي مجرم من محرمي الحق العام لأنه أهان رموز الدولة، في إشارة إلى أن تشيكيطو استمنى وفي يده ورقة نقدية تتضمن آيات قرآنية وصور الملك محمد السادس.

وهكذا بدا المغرب، بدستوره الجديد وبتجربته الرائدة في طي سنوات الرصاص وبهيئته في الإنصاف والمصالحة وبإنجازاته الهامة في مجال الحريات وبأحزابه اليسارية وحركاته التحررية والحداثية وبجمعياته النسائية والحقوقية الجادة، بدا كما لو أنه مجرد "إمارة صغيرة بضواحي أفغانستان في زمن طالبان".

يا لهذه الفضيحة.. بلد عريق مثل المغرب، منحه الاتحاد الأوربي امتيازات "الشريك المتقدم" وراكم إصلاحات نوعية منذ مجيء الملك محمد السادس إلى الحكم، ها هو يتجه نحو "الإعدام الرمزي" لشاب يعد بحق رمزا للنقاء والطهر ونظافة الذمة المالية، فقط لأنه "تعرى" أو استمنى في منزله كما لو أنه أصبح مطلوبا من المغاربة ألا يتعروا في منازلهم، وإذا ما استمنوا، لا قدر الله، فمطلوب منهم ألا يستمنوا وهم عراة؟؟.

والواقع أن هذه "التهمة" أو اللا تهمة مضحكة للغاية وشوهة حقيقية لصورة بلدنا في الخارج، بل إننا سنتحول إلى فرجة مقززة أمام شركائنا في أوربا والغرب والمنظمات الحقوقية والهيئات الدولية المدافعة عن الحريات العامة والفردية على وجه الخصوص.

ولئلا يقع هذا المكروه، فإن عين العقل تقتضي أن يتحرك عقلاؤنا وحكماؤنا سريعا لوقف "أم المهازل" هذه، قبل أن تكبر كرة الثلج وتكبر معها شوهتنا لدى الأجانب الذين يقدسون معنى الحياة الشخصية للفرد حتى لو كان شخصية عمومية يتقاضى راتبه من المال العام.

شخصيا أنا جد مصدوم من هذا المنحى "الداعشي" الذي اتخذه النقاش في هذه القضية التي أدى فيها عادل تشيكيطو الثمن غاليا من سمعته وكرامته وأسرته وأطفاله، وهناك تخوفات من أن تكون وراء هذا النقاش الداعشي، كما جرت العادة، تلك "الجهات" التي أزعجها تشيكيطو بتصريحاته في أكثر من مناسبة.

ولا بأس هنا أن أذكر بتصريح واحد فقط من هذه التصريحات التي ربما لم تتقبل بعض الأطراف أن تصدر عن برلماني من حزب "مخزني" كحزب الاستقلال. يقول تشيكيطو في هذا التصريح لموقع "عواصم": "الإعلام في المغرب خصوصا المرئي منه موجه ومسير، وآلة التحكم فيه هي بيد جهة معينة سماها بنكيران التماسيح والعفاريت وسماها آخرون جيوب المقاومة".

ولم يقف تشيكيطو عند هدا الحد في تصريحه، بل دعا إلى محاسبة من أسماهم "مفسدي الإعلام العمومي واستئصالهم من مؤسسات التلفزة"، أما لماذا يا عادل؟ "لأن هؤلاء المفسدين من صقور الإعلام العمومي طوروا آليات قانونية للتحايل على الصفقات الكبرى رغم وجود دفاتر التحملات".

لكن أخطر ما قرأت في هذه القضية هو أن هناك من كان قاب قوسين أو أدنى من تقديم عادل تشيكيطو في صورة بروفايل الشاب المعارض للملك أو "ذئب منفرد" انتمى لحزب الاستقلال فقط لإخفاء نواياه المناوئة لنظام الحكم في أفق التخطيط للإطاحة به وقلبه، بل إن البعض كاد أن يكتب ما يلي: "مادام عادل تشيكيطو رفض أن يحضر حفل الولاء لمبايعة الملك، إذن فهو معارض للملك".

يا له من "فكر" ينسف ويشوه كل معالم الجمال التي بناها العهد الجديد طيلة قرابة عقد ونصف العقد حجرة بحجرة. نعم إنه "فكر" يشوه الجمال لينتصر لمظاهر القبح خشية أن تضيع منه امتيازاته غير المشروعة ويدخل في عطالة مفتوحة؟؟

هل نسي أصحاب هذه الكتابات أن الانقلابات والمؤامرات ضد الملك والملكية كان وراءها دائما أولئك "الموالون" من أكلة الريع الذين كانوا يقبلون يد الراحل الحسن الثاني صباح مساء، وما الجنيرال أوفقير واعبابو والمذبوح إلا نماذج وأمثلة حية في هذا السياق؟.

ثم هل نسي أيضا أصحاب هذه الكتابات أن الحسن الثاني نفسه عندما أراد أن ينقذ المغرب مما أسماه "السكتة القلبية" فإنه استعان بالمعارضين من شعبه ولم يستعن بالموالين الذين كانوا يركعون له في حفل الولاء؟

أقول هذا وأنا أعرف جيدا أن عادل تشيكيطو ليس ثائرا أو معارضا للنظام، بل إن الرجل ملكي حتى النخاع مثل جميع المغاربة، ويناضل في حزب لم يكن يوما ما ضد الملكية إن لم نقل إنه امتداد لها، لكن تشيكيطو اختار أن يكون ملكيا بطريقته الخاصة تلائم روح العصر عندما قال إنه لن يركع في حفل الولاء، وعلينا احترام وجهة نظره لأنه ليس أول مغربي قال مثل هذا الكلام، ثم إن الملك محمد السادس شخصيا أجرى تعديلات على بعض طقوس البيعة التي قد يفهم منها أن فيها مسا بالكرامة الإنسانية.

أعرف أيضا أن أولئك الذين ذكروا هنا في هذه الواقعة بتصريحات تشيكيطو حول "البيعة" لم يكونوا أصحاب "عمل" بريئ تغيوا به وجه الله تعالى، بل كان لهم هدف واحد لا ثاني له وهو تدمير وإنهاء المشوار السياسي لهذا الشاب وابن الشعب الذي "بنى" نفسه بنفسه في الجمعيات المدرسية ودور الشباب، ولم ير النور وفي فمه ملعقة من ريع.
وأنا أقول إنه حُق لسكان مدينة تمارة أن يفتخروا بواحد من أبنائهم وأن يقفوا إلى جانبه في هذه المحنة المفبركة ما دامت تهمة تشيكيطو هي أنه استمنى وليس فاسدا استغل نفوذه أو لصا سرق المال العام.

ختاما لابد أن أقول إنني شخصيا عندما رأيت صور عادل تشيكيطو العارية تغزو تقريبا كل مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الأنترنيت، قلت في نفسي: "تشيكيطو انتهى"، لكن عندما رأيت تلك الشجاعة غير المسبوقة وتلك الثقة في الذات التي دافع بها هذا الشاب عن نفسه علنا وأمام الكاميرا سواء في أشرطة فيديو أو في تصريحات صحفية ولم يغلق هواتفه على وسائل الإعلام والصحافيين، تأكد لي بالملموس أن الشاب عادل تشيكيطو، الملكي بطريقته الخاصة، انتصر على "الأعداء" الحقيقيين للملكية في هذه المعركة الجبانة.

انتهى الكلام وتضامني المطلق السي عادل.