في ظرف وجيز وجد محمد منير الماجيدي، مدير الكتابة الخاصة للملك، نفسه أمام عاصفة من الشبهات، ولحد الساعة لا ندوة صحافية ولا بيان في الموضوع يوضح للمغاربة حقيقة تلك الشبهات !

فيوم الأربعاء 22 أبريل الجاري، نقلت جريدة "لومونود" الفرنسية، تفاصيل مثيرة للغاية عن الأجواء، التي مرت فيها جلسة محاكمتها رفقة الصحفي المغربي محمد رضى بنشمسي، على خلفية الدعوى القضائية التي رفعها ضدهما الماجيدي، بسبب مقال نشرته "لوموند"، يستعرض فيه دور سكرتير الملك في صفقة أبرمت بين الخطوط المغربية (RAM) و شركة أمريكية لتأثيث الطائرات الفخم.“Baysys”

وتأتي هذه التفاصيل الخطيرة على صورة المغرب وشعبه ومؤسساته الدستورية، بتزامن مع تصريحات أخطر لرجل الأعمال المغربي عبد الهادي العلمي، وردت في العدد الأخير من مجلته "لوتون"، والتي صور فيها الماجيدي كشخص مشتبه به من الناحية الأخلاقية، لكونه يحاول "الإجهاز" على الصحافة؛ بعد أن راكم ثروة مالية، يرى العلمي أن الماجيدي حازها بشكل "غير مشروع مستغلا قربه من الملك"، وهو الاتهام الذي ورد أيضا على لسان محمد رضى بنشمسي، ويردده في الخفاء وفي كواليس الصالونات بعض رجال الساسة وعالم المال والأعمال بالمغرب.
وقبل تصريحات العلمي وبنشمسي كان الماجيدي في قلب عاصفة من الانتقادات الشديدة بعد أن قرر مقاضاة الموقع الإلكتروني "كود"، وبعد أن راجت شبهات حول إمكانية أن يكون هو المحرك الفعلي للشكاية التي تقدم بها رئيس جامعة ملكية ضد كاتب هذه السطور.

وقبل كل هذا، كان الماجيدي في قلب شبهات لا تقل خطورة عن كل ما سبق، من خلال أنباء عن اقتنائه، بثمن زهيد، سنة 2005، لأربع هكتارات ونصف، توجد في مدينة تارودانت، تابعة لأملاك الأوقاف، وعما راج في بعض وسائل الإعلام بخصوص "تفويت" هكتارات شاسعة في قلب العاصمة الرباط، قرب "المكتبة الوطنية"، لصالح جمعية أو شركة تابعة للماجيدي، لم يمر على تأسيسها سوى أيام معدودة، في وقت توضح فيه مصادر عليمة بأن التباري على الصفقات يقتضي أن يكون عمر الجمعية أو الشركة مدة طويلة ولها تجارب في الميدان.

وكان الماجيدي موضوع شبهة أكبر وردت، على لسان الصحافي المتخصص في شؤون المغرب و العالم العربي Ignace Dalle صاحب كتاب"Hassan II entre tradition et absolutisme "، الذي قال “إن منير الماجيدي حصل سنة 1997 على رخصة مدتها 30 سنة لنشر لوحات الإشهار في الدار البيضاء وهو في سن 31 سنة فقط”.

الماجيدي سيكون اسما بين الأسماء التي طالب الشارع المغربي برحيلها ومحاسبتها خلال الحراك المغربي، بعد أن كان اسما بين الأسماء التي وردت في وثائق "وكيليكس"، قبل أن يرد اسمه أيضا على لسان زعيم حزب "العدالة والتنمية" عبد الإله بنكيران في خطابه الشهير شهر مارس من سنة 2011، حين طالب بنكيران الملك بضرورة إبعاد الماجيدي إلى جانب الهمة والياس العماري عن الحياة السياسية والاقتصادية، عندما قال أمام أعضاء حزبه : "إنهم يتحكمون في الحكومة ويعطون التوجيهات بالهاتف ويُخيفون رجال الدولة ويَشتمون المدير العام للأمن الوطني ويُعطون التوجيهات للقضاة؛ لأنهم يستمدون نفوذهم من القرب منك، وهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون وهذا غير مقبول".

الماجيدي سيرد اسمه أيضا على لسان البطل العالمي للهواة زكرياء المومني، حين اتهمه بالوقوف وراء كل ما تعرض له، وهي نفس التهمة التي وجهت له أيضا في قضية الإطار البنكي خالد الودغيري.

وحين حققت عناصر الشرطة القضائية بولاية أمن الرباط، مع كاتب هذه السطور على خلفية شكاية يروج أن صاحبها رئيس جامعة ملكية، رفض المحققون أن يدرجوا اسم الماجيدي، ضمن جواب عن سؤال وجهوه للمعني.

شخصيا، لا أملك أي شعور سلبي تجاه الماجيدي، فهو بالنسبة لي مجرد مواطن مغربي ذو شخصية عمومية كباقي الشخصيات المعينة بظهير ملكي، وكل الروايات أعلاه تلزم أصحابها، وحين نخصص مقالا حوله، فنحن لا نستهدف شخصه انتصارا لشخص آخر، وإنما غايتنا توضيح أمر في غاية الخطورة على صورة المغرب والمغاربة؛ حُكْما وحكومة وشعبا.

رمزيا، الماجيدي كما جميع مستشاري الملك، يشكلون في مخيال الرأي العام المغربي والعالمي، الملك نفسه، وأي سلوك أو قول يصدر عن أحدهم يمس الملك وصورته بشكل أو بآخر؛ وحين يكون مستشار للملك أو سكرتيره في قلب عاصفة أو شبهات فإن الملك، داخل المِخيال الشعبي المغربي، يوجد في قلبها أيضا.

وحيث أن الماجيدي معين بظهير ملكي؛ وبالتالي أجره الشهري يأتي من المال العام، فمن حق المواطنين، دافعي الضرائب أن يعرفوا حقيقة الشبهات المرتبطة بالشخص الذي يعيش بواسطة أموالهم.

عندما وجد مستشار الملك الاسباني الخاص رافائيل سبوتورنو، نفسه وسط عاصفة من الانتقادات، بعد الاشتباه به في الاستفادة من مبلغ 230.000 يورو، لم يتردد المعني في تقديم استقالته، التي قبلها الملك على الفور؛ لأن الأمر يتعلق بصورة ملك ومملكة وشعب اسباني، أمام العالم.

صورة المؤسسة الملكية والعاملين بها جميعا ليست أمرا عاديا؛ حتى يجري القفز على قضية خطيرة بحجم قضية الاشتباه بأخلاق مدير الكتابة الخاصة لرئيس هذه المؤسسة، وإلا ما قيمة قول الرسول: اتقوا الشبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.

السؤال المثير والمحير هنا: هو لماذا لم يُقِل الملك الماجيدي لحدود الساعة، ولا قدم المعني استقالته له، رغم التداعيات السلبية الكبيرة لشبهاته على صورة المؤسسة الملكية، خاصة وأن صورة الأخيرة أساس كل ثقة في خطابات الملك وأنشطته وتحركاته تجاه الشعب المغربي؟ هل يعني تشبث الملك بالماجيدي تشبثا ببراءته من المنسوب إليه؟ وإذا كان الأمر كذلك ما الذي يمنع الملك أو الماجيدي أو أحد أعضاء ديوانه أو الناطق الرسمي باسم القصر الملكي من تنظيم ندوة صحافية يُستدعى إليها صحافيون مغاربة وأجانب، للرد على كل الاتهامات الموجهة للماجيدي؛ ذرءً لأي لبس من جهة، ومن جهة ثانية تمكينا بشكل أكثر وأقوى للمؤسسة الملكية؟ وهل يعلم الملك أصلا بهذه التداعيات السلبية، أم أن قوة المشتبه به حجبت عنه ما يجري ويضر صورة المؤسسة الملكية ومعها صورة المغرب والمغاربة؟ كيف كان سيكون موقف الملك من الماجيدي، لو أن رقم معاملات الهولدنغ الملكي يقل سنويا عن 6.3 مليار يورو؟

قد تتعايش المؤسسة الملكية لعشرات السنين أو أكثر، مع هذه الشبهات أو الإشاعات، ولا شيء سيهدد وجودها، وقد "يُخنقُ" أصحاب مثل هذه المقالات كما قد "تخنق" مواقعهم الإلكترونية، ويستمر الحكم في المغرب، غير أن العبرة والقوة والمجد ليس باستمرار الحكم بل بشكل وطبيعة هذا الحكم وأساسه.

وكما أن المرض لا يعالج بالصمت والتجاهل بل باللجوء إلى الطبيب، وإلا استعجل الموت المريض، فكذلك هو حال الشبهات، خاصة إذا كان موضوعها شخص بقدر وحجم سكرتير الملك، فإن الأمر لا يعالج بالتجاهل والصمت وكثرة الدعايات المجانية، بل بالمكاشفة والخروج إلى الجمهور في ندوة صحافية أو بيان يوضح حقيقة الأمر.

عندما اعتقل الزميل علي أنوزلا، قال لي سياسي يوصف بـ"النافذ" في المغرب، كلاما في حق فؤاد عالي الهمة، أرجو أن لا يكون صحيحا، حتى لا ينطبق على حالة الماجيدي. فحين أبديت شكوكي في حضرته في أن يكون الهمة وراء اعتقال الزميل علي، انتقاما منه؛ لكون موقع "لكم" هو من أورد رواية، يفيد فيها علاقة الهمة بالعفو على البيدوفيل الإسباني "دانيال كالفان"، نقلا عن جريدة "إلباييس" الإسبانية، رد علي المعني بحضور صحفي شهير في المغرب: "الهمة مجرد بارشوك، وعندما أوردتم تلك الرواية، فإنكم قدمتم خدمة جليلة للهمة، لأنه وُجِد هناك من أجل تلقي مثل تلك الاتهامات" !