انعكس الخلاف السعودي الايراني على شكل جدل وتلاسن اعلامي وسياسي متصاعد على ارضية الكارثة التي وقعت في منى، حيث مات ما يقرب من 800 حاج اثر تدافع امام مشعر رمي الجمرات، من بينهم 136 ايرانيا، وما زال هناك 344 مفقودا.

ايران اخذت موقع الهجوم، واستخدمت كل ما في حوزتها من قذائف من العيار الثقيل، ابتداء من السيد علي خامنئي، المرشد الاعلى، الذي طالب المملكة العربية السعودية باعتذار رسمي للامة الاسلامية والاسر المفجوعة، وتحمل المسؤولية كاملة عن هذه المأساة، وانتهاء بالسيد حسن روحاني، رئيس الدولة الايرانية، الذي استغل خطابه يوم السبت امام الجمعية العامة للامم المتحدة للمطالبة باجراء تحقيق شفاف.

السلطات السعودية كانت طوال الايام الاربعة الماضية في موقف دفاعي بدأ بتصريحات ادلى بها الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي البلاد، الذي برأ القيادة السعودية من اي مسؤولية عن هذه الكارثة، عندما قال “ان التدافع كان امرا لا يمكن للبشرالسيطرة عليه”، واضاف مخاطبا الامير محمد بن نايف ولي العهد ورئيس اللجنة العليا للحج “انتم غير مسؤولين عما حصل لانكم بذلتم الاسباب النافعة المتاحة لكم”.

ولكن السيد عبد الله آل الشيخ رئيس مجلس الشورى السعودي ذهب الى ما هو ابعد من ذلك، عندما حمل الحجاج بطريقة غير مباشرة بالمسؤولية عما لحق بهم، عندما شدد على اهمية التزام الحجاج الانضمة والتعليمات التي تتخذها الاجهزة الامنية المعنية لخدمتهم والسهر على راحتهم”.

الجدل بين الطرفين سيستمر حتما، خاصة ان هناك مشكلة اكثر خطورة من مشكلة وفاة الحجاج الايرانيين، تتمثل في “المفقودين”، وهناك تقارير مؤكدة تفيد بأن من بينهم شخصيات دبلوماسية وسياسية كبيرة، وقيادات في الحرس الثوري، والاجهزة الامنية الايرانية.

المسؤولون الايرانيون يقولون نحن نفهم ان يكون هناك قتلى وجرحى، ولكن لا يمكن ان نفهم ان يكون هناك مفقودين، ويلمحون الى “مؤامرة”، ولا يستبعدون ان يكونوا اما قد توفوا، ولا تريد السلطات السعودية الاعلان عن ذلك حتى لا يتضخم عدد القتلى، او انهم معتقلون لدى هذه السلطات، وهذا خروج عن الاعراف وحرمة الاماكن المقدسة وسلامة وامن حجاجها.

ايران شكلت وفدا برئاسة الوزير علي جنتي للذهاب الى السعودية لمتابعة قضية هؤلاء، ولكن السلطات السعودية لم تمنحهم تأشيرات دخول بحجة ان السفارة مغلقة بمناسبة عيد الاضحى المبارك، الامر الذي اثار غضب الايرانيين، ولو رغبت لفتحتها، ولكنها ارادت توجيه رسالة “غاضبة” للسلطات الايرانية، ونجحت في ذلك ولو الى حين.

الازمة بين ايران والسعودية تتفاقم حاليا، ومرشحة للتفاقم اكثر في الايام المقبلة اذا لم يتم تطويقها، فالجناح المتشدد في ايران يطالب باتخاذ “اجراءات” بينما عقد البرلمان الايراني جلسة مغلقة، قالت مصادر ايرانية انها كانت صاخبة، واحتوت على تهديدات بضرورة الرد “الحازم”.

السيد عادل الجبير وزير الخارجية السعودي اتهم الايرانيين بمحاولة تسييس مأساة الحجاج في رده على الرئيس روحاني، ولكنه نسي ان بلاده ايضا تقوم بالشيء نفسه، ومن استمع الى خطبة الشيخ صالح آل طالب امام الحرم يوم العيد التي هاجم فيها ايران والحوثيين والشامتين بكارثة منى، يدرك ما نقول.

المطالبات تزايدت بالتحقيق بالكارثة لمعرفة اسبابها اولا، والبحث عن “حل اسلامي” يضع حدا لهذه الكوارث المتكررة في المشاعر المقدسة في مكة دفعة واحدة، واللافت ان مثل هذه المطالبات لم تقتصر على ايران “الشيعية”، بل امتدت الى دول سنية وحليفة للسعودية.

وكان لافتا ان اقوى هذه المطالبات والانتقادات جاءت من قبل السيد محمد علي شاهين نائب حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، ورئيس مجلس النواب السابق عندما قال “ان بلاده (تركيا) يمكن ان تنظم الحج بشكل افضل من السعودية”، وتساءل “هل يمكن ان نتحدث عن القضاء والقدر فيما يحدث؟ واجاب قائلا “هناك اهمال في مجال السلامة، وهذه الوفيات نجمت عن الاهمال”، وكان اكثر جرأة من رئيسه رجب طيب اردوغان “عندما قال “ان الاماكن المقدسة تعود لكل المسلمين” داعيا الى “اجتماع للدول الاسلامية لايجاد حل لمشاكل السلامة”، وربما لهذه السبب جاءت تصريحات الرئيس اردوغان الاعتذارية للمملكة، والمدافعة عن موقفها، ولا نستبعد احتجاجا سعوديا ادى الى ذلك.

المطالبة باشراف اسلامي، ولو شكلي على الاماكن المقدسة في الحجاز خط احمر بالنسبة الى المملكة العربية السعودية لا تسمح لاي كان من اختراقه، لان الامر يتعلق بالسيادة، وسحب اهم ورقة دينية من يد اسرتها الحاكمة، ولذلك ستعارض بقوة هذه المطالب مثلما عارضتها في الماضي، ولكن تكرار وقوع هذه الحوادث وتصاعد ارقام ضحاياها من الحجاج يضعها في موقف العاجز عن توفير الحد الادنى من اجراءات السلامة للحجاج القادمين من مختلف انحاء العالم، ويضعف من مقاومتها لضغوط الدول الاسلامية في هذا الصدد.

لا نعتقد ايضا ان السلطات السعودية ستسمح بوجود ممثلين للدول الاسلامية في لجنة التحقيق التي اعلنت عن تشكيلها للسبب نفسه، ليس بهدف اخفاء المعلومات، وانما لان هذا يشكك في مصداقية هذه التحقيقات وشفافيتها ونتائجها مسبقا، ويتعلق بالسيادة ايضا بالنظر الى مواقف سعودية سابقة.

ان كارثة الحجاج هذه وجهت ضربة قوية للمملكة العربية السعودية واسرتها الحاكمة في توقيت حرج للغاية، حيث تخوض حربا مفتوحة النهايات في اليمن لم تستطع حسمها بعد ستة اشهر من انخراطها فيها بكل قوة، وانتقلت الى حدودها الجنوبية على شكل حرب استنزاف، وكذلك حدوث انهيار شبه كامل لمشروعها في سورية الرامي الى اسقاط النظام بعد تراجع الولايات المتحدة وتركيا ودول اوروبية اخرى عن هذا الهدف، واعترافها، ولو مؤقتا بشرعية هذا النظام، والمطالبة بالتفاوض مع رئيسه.

المملكة العربية السعودية بحاجة الى مراجعة جذرية لكل سياساتها ومواقفها، سواء في اليمن او سورية او في ادارة موسم الحج بكل جرأة وشجاعة وشفافية، والتخلي في الوقت نفسه عن المواقف التي تتسم بالانكار والعناد والغطرسة، وهذه المراجعة لا تعيب قيادتها وانما ما يعيبها هو الاستمرار فيها، فها هو الرئيس اردوغان يتراجع عن سياسته في سورية، وفعلت الشيء نفسه امريكا وبريطانيا وفرنسا ومعظم الدول الاوروبية.

نهج المكابرة والانكار يعطي نتائج عكسية، ان لم يكن كارثية، والسعيد من اتعظ بغيره.