قرر مجلس الشورى الفرنسي في قرار له صدر اليوم (26-8-2016) تعليق تنفيذ القرار الذي كان اتخذه رئيس بلدية إحدى البلدات الفرنسية Villeneuve-Loubet والذي حظر فيه ارتداء اللباس الديني على الشواطئ.
عشر ملاحظات:
أولاً: إن قرار الشورى يكتسب أهمية مضافة لأنه ناقض قرار المحكمة الإدارية التي لم تر أي مخالفة في قرار رئيس البلدية للمبادئ الجوهرية الدستورية التي يعتمدها الدستور الفرنسي (العلمنة، الحرية الدينية، الفصل بين الدين والدولة، الحرية الفردية، الخ..).
ثانياً: هذا القرار يعني أن الطعون التي سيتقدم بها المستدعون ضد قرارات أخرى اتخذها رؤساء بلديات أخرى سوف تلقى المصير ذاته وسيبطلها الشورى (أو يعلق تنفيذها).
ثالثاً: ينقذ القاضي الإداري هكذا مبدأ العلمنة والذي يعني أن الدولة هي خارج الأديان: لكل دينه وإيمانه شريطة أن لا يمس بحريات الآخرين وشريطة أن لا تقدم الدولة أي درهم للمؤسسات الدينية.
رابعاً: اذا كانت السلطات الفرنسية على حق عندما حظرت ارتداء النقاب لأسباب أمنية ولأنه لباس فاقع في قمعه للمرأة وإظهار دونيتها المزعومة فهي احتراماً لمبدأ العلمنة لا يمكنها أن تتدخل بالمساحة الخاصة وتمنع ارتداء لباس احتشام ديني على الشواطئ.
خامساً: المفارقة في فرنسا في هذا الموضوع تكمن في أن المدافع عن اللباس الإسلامي هم العلمانيون الملحدون (les Libres penseurs – أنظر مواقف جمعية الفكر الحر الفرنسية La Libre pensée française ( وهذا ما يثير سخط الفرنسيين الليبراليين وغالبية ساحقة من المسلمين في فرنسا الذي يرفضون اللباس الإسلامي ويعتبرون أن الإسلام لا يفرض ذلك إطلاقاً.
سادساً: يلتزم مجلس الشورى بمبادئ الضبط الإداري بصورة صارمة معتبراً أن قرارات المنع لا يجب أن تمس إلا ما يشكل خطراً على السلامة العامة والنظام العام وكرامة الإنسان البشري وهذا اللباس لا يشكل بأي شكل من ألأشكال انتهاكات من هذا النوع.
سابعاً: العلمنة عقيدة يقتضي تطبيقها وفقاً لمبادئها الصارمة. كل إنسان حر في ممارساته الدينية الشخصية. لا المتحرر يحق له نزع اللباس الديني (الحجاب، المنديل) عن إحداهن ولا العلماني يحق له أن يغطي صدراً شاطحاً الى الأمام ودون لباس كما في لبنان (حيث ثمة مزايدة على الغرب) ولا أن يقفل شواطئ العراة. الكل يحترم الكل في تقاليده وعاداته. أما آراؤه فهي ملك له: العلماني يحق له اعتبار اللباس الديني رمز قمع المرأة والتخلف والديني والعلماني يحق له اعتبار الصدر الفضفاض رمز العهر.
ثامناً: في لبنان حبذا لو يلحق القاضي اللبناني بهذا الموقف العلماني. على العكس رصدنا من خلال عملنا أن القاضي الإداري اللبناني يعزز موقف المؤسسات الدينية والتي هي أساساً معززة جداً "ومغنجة جداً" وتلقى الدعم "الباهظ" من الدولة اللبنانية. أنظر تعليقنا على قرار لمجلس الشورى اللبناني الصادر بتاريخ 21/3/2016 "الجمعية الخيرية الثقافية – مؤسسات الإمام شمس الدين" حيث قرر عدم صلاحيته للنظر بمراجعة إبطال بتاريخ 12/12/2015 تطلب فيها المستدعية وقف تنفيذ وابطال القرار رقم 10 الصادر عن رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى بتاريخ 3/8/2015 والمتضمن "اعلان وقفية مسجد الصادق المشيّد على العقار رقم 1925 منطقة المزرعة العقارية"، حيث نشجب موقف الشورى الذي يتهرب من مسؤوليته بنظرنا فيما نحن في لبنان بحاجة لقاض إداري يعلن صلاحيته لا سيما في ما يخص المؤسسات الدينية لأننا بلد مصيبته الطائفية وينتظر اللبنانيون أن يقوم القضاء بدور لقضم صلاحيات المؤسسات الطائفية لا اعتبار قراراتها كقرارات أي شركة خاصة ويترك هذه المؤسسات للمجال الخاص والتصرف كما يحلو بها (بحث منشور على موقع كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية، الجامعة اللبنانية، ضمن أبحاثنا http://droit.ul.edu.lb/).
تاسعاً: ينبغي الإقرار مرة أخرى لمجلس الشورى الفرنسي بأن موقفه هذا يثبت أن القاضي يقوم بدور سياسي وإنساني مميز (موقف فلسفي قانوني)عبر تصديه للانتهاكات للمبادئ الجوهرية المرتبطة بحقوق الإنسان. لا سيما وأن القاضي الفرنسي يتخذ هذا القرار في ظروف شديدة العنصرية هذه الأيام في فرنسا بعد سلسلة الانفجارات والهجومات باسم الإسلام والداعشية (يكفي ذكر ال 84 قتيلا دهساً على يد سائق مجنون باسم الدين والإسلام..). ولقد عرضتُ شخصياً لدور القاضي الإداري اللبناني في محاولة تطبيق أسس العلمنة في لبنان حتى خارج النص كوني علمانياً بالصميم: أنظر هذا البحث بعنوان "العلمنة: مقاربة نظرية وموقف القاضي الإداري الفرنسي واللبناني" على موقع كليتنا المذكور أعلاه).
عاشراً وخاتمة: في منظور العلمنة إذن اللباس مسألة شخصية. ولكن الحياد في هذا الموضوع يشبه التواضع الكاذب. نعم ثمة فارق بين الصدر الظاهر والقماشة التي تلف الرأس دوماً.. نعم ثمة فارق بين لاعبة التنس مع منديل وأخرى دونه.. "أيه والله" ثمة فارق شاسع بين أستاذ جامعي لا يسلم على النساء !! وآخر يفتش عليهن ليلمسهن.. ثمة فارق بين بلد لا يدع أتباع دين آخر يبنون مراكز الصلاة فيما يطالب بأن يكون لمواطنيه وأتباع دينه مراكزهم للصلاة (السعودية، أيران وغيرها)..
ثمة فارق يا عمي بين من يقرأ التاريخ والنص الديني بمقاربة نقدية وبين من يتوهم أنه يملك الحقيقة وأن "كل ما سولفوه" له صحيح ومنزَّل !!..
مع كل هذا نقف بإجلال أمام هذه القرار الصادر عن الشورى الفرنسي اليوم حيث أوقف تنفيذ قرار رئيس إحدى البلدات الفرنسية Villeneuve-Loubet والذي حظر فيه ارتداء اللباس الديني على الشواطئ.