إن استقراء جوانب من الحصيلة الكارثية لوزارة العدل يتخلص كقاعدة عامة في عدم اعتماد المقاربة التشاركية الحقيقية في اقرار نصوص تنظيمية ضامنة للاستقلال الفعلي و الحقيقي للسلطة القضائية و أعضائها بما ينسجم و التأويل الديموقراطي والحقوقي لدستور 2011، و بما يسهم في تفعيل دور السلطة القضائية في ضمان و حماية حريات المواطنين الفردية و الجماعية،و هو ما يعد خرقا سافرا للارادة الملكية السامية المعبر عنها في خطاب جلالة الملك بتاريخ 30 يوليوز 2011 و الذي جاء فيه ”إن أي ممارسة أو تأويل مناف لجوهره الديمقراطي يعد خرقا مرفوضا مخالفا لإرادتنا ملكا و شعبا.
لكن الامر لم يتوقف على المنهجية بل تجاوزها إلى صناعة التشريع والسياسات العمومية في مجال القضاء ونجمل ذلك في ما يلي:

-تقديم مشروع قانون التنظيم القضائي يلغي قاعدة التخصص المطلق للمحاكم المتخصصة كالمحاكم الإدارية والمحاكم التجارية،بإحداث أقسام ببعض المحاكم الابتدائية ضدا على نجاح تجربة القضاء المتخصص .
-إصدار منشورات لرؤساء المحاكم والرؤساء الأولون لمحاكم الدرجة الثانية تتعلق بأعمال قضائية محضة
-التضييق على البحث العلمي للقضاة وذلك إما بعدم الترخيص لهم لحضور ندوات دولية كحالتي الاستاذ سعدون وعبد ربه أو التنصيص في الرخصة على خصم مدة الترخيص من العطلة السنوية
-عدم خضوع القضاة للتكوين بحكم رفض الوزارة تمكينهم من حقوقهم في التعويضات الناتجة عنها وعدم ايجاد الحلول المطلوبة لمشاكل التكوين المستمر للقضاة سواء على مستوى البرامج وهيئة التأطير .
-متابعة قضاة الرأي وعزل البعض منهم أو تأديبهم لأسباب انتقامية محضة ،ومصطلح قضاة الراي هو نتاج خاص لوزارة الرميد بحكم التضييقات على حرية تعبير القضاة وحق التجمع،بحيث تجاوز عدد القضاة موضوع مساطر التأديب بسبب الرأي 10 قضاة ،كما أنه في أول سابقة في العالم تم إحداث لجنة في ديوان الوزارة مكلفة بمراقبة كتابات القضاة في الفايسبوك.
-الاصرار على عقد جلسات التأديب لحرمان القضاة من الحق في الطعن الذي يضمنه لهم الدستور
-حرمان بعض القضاة من الترقية بسبب انتمائهم لنادي قضاة المغرب
-رفض مراجعة تنقيط المسؤولين للقضاة رغم مباشرة مسطرة التظلم
-رفض الإشراف الكامل للقضاء على الانتخابات؛ مصطفا في صف وزارة الداخلية؛ واليوم ضاق مرارة معارضته؛ بتغريدة ضد وزارة الداخلية.
-معارضة الوزارة لاستقلالية النيابة العامة عن سلطتها التي لم يكتب لها الفصل المطلق إلا بقرار المجلس الدستوري
- معارضة الاستقلال المالي للسلطة القضائية؛
-معارضة الاستقلال الاداري للسلطة القضائية؛
- إقحام وزير العدل نفسه عنوة في تشكيلة المجلس بالمخالفة للفصلين 107و 115 من الدستور،وهو ما أسقطه المجلس الدستوري.
-عدم احداث هيئة قضائية ادارية عليا أو ما يصطلح عليه بمجلس الدولة لضمان استقلالية القضاء عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية
-حظر حق القضاة في إنشاء جمعيات مدنية مما يثبت مخطط الاجهاز على حرية القضاة في التنظيم والتعبير بكل فعالية في المجتمع المدني والحقوقي بعد النجاحات التي حققها القضاة وجمعياتهم المدنية في الدفاع عن استقلالية السلطة القضائية والانخراط في النسيج المدني .
-منع القضاة من حقهم في التجمع من خلال المشاركة في قرار منع وقفة القضاة أمام وزارة العدل بالبدل، وعسكرة محيط الوزارة في أول سابقة من نوعها في تاريخ المغرب
-معارضة الضمانات الكونية والحقوقية للمحاكمة العادلة للقضاة؛ عارض ضمانات الاستقلال الفردي للقضاة: من قبيل الانتداب، وحصانة القضاة ضد النقل و دمقرطة الجمعية العمومية ووضع نظام حمائي للتنقيط
وسيذوق غذا مرارة ذلك؛ حين تستغل هذه المنافذ للتدخل في القضاة.
باختصار حين نشرع نشرع للوطن؛ فلن نخلذ دوما في الموالاة؛ لأننا قد نصبح في المعارضة ونحتاج سلطة قضائية مستقلة مؤسساتيا ،وحينئذ لا ينفع البكاء أو العويل
إن إصلاح القضاء مشروع مجتمعي ووطني شامل جامع لكل المغاربة ، وأن القضاة جزء لا يتجزأ من هذا النسيج المدني والوطني المتنور الساعي لتكريس الثقة في القضاء ودعم دوره في صيانة المشروع الديمقراطي ،وان تشريع الخوف والتردد لا ينتج إلا فقدان الثقة في المؤسسات ويعدم وجودها ويعكس خلفية لا تؤمن بفضائل الحوار وحرية التعبير والحق في التنظيم .
لقد أضاع الوزير الرميد على المغاربة قاطبة فرصة خمس سنوات للتفعيل الامثل للمرتكزات الدستورية لاستقلال السلطة القضائية بما يتوافق مع المرجعية الدولية وأفضل الممارسات االمتصلة بها بسبب عناده وانتصاره لهويته السياسية المحافظة وتواضع مشروعه وفكره ،ففضل ركوب قطار الصراع عوض قطار الحوار والتشاركية.