قبل كل عملية انتخابية تنتاب الكثير من الديمقراطيين الحقيقيين موجة من التفاؤل و يغازلهم الحلم بالتغيير. لكن ما أن ينتهي الفرز حتى يعود أولئك الديمقراطيون إلى تشاؤمهم و انطوائهم إن لم يزدادوا انغماسا في براثين اليأس و يفقدوا خيطا آخر من خيوط الأمل التي لا زالت تربطهم بالمستقبل.
ولم تشد الانتخابات الجماعية الأخيرة عن هذه القاعدة. كان كل الذين يؤمنون بالديمقراطية يأملون أن تتغير الأمور
تمنوا أن يصدق المنجمون الذين قالوا بأنهم جاؤوا بهدف محاربة الفساد و المفسدين و تكريس الشفافية و النزاهة. و لاشك أن كل من تطالع العناوين التي تتصدر الصحف هذه الأيام سيصاب و لا ريب بالغثيان و أن كل من ظل يؤمن بإمكانية دمقرطة هذه البلاد سيصبح –بدون شك- مرتدا و يدعوا على ألهته القديمة بالأفول.
الانتخابات الجماعية 2009 كرست واقعا مريرا. و يمكن القول أن هناك شبه إجماع على أن هذه الانتخابات كانت الأسوء منذ الاستقلال. صحيح أن زمن سرقة الصناديق و تزوير المحاضر قد ولى و أن السلطة في مجملها لم تعد تتدخل لصالح زيد أو عمر منذ أن قررت التزام حياد وصفه الكثيرون بأنه سلبي. لكن هذه الشجرة تبدو غير قادرة على إخفاء غابة من الفساد و الممارسات الشاذة. لقد أثر استعمال المال بشكل كبير على إرادة و توجهات الناخبين و اجتهد سماسرة الانتخابات في إبداع أساليب شيطانية تضمن ولاء الهيئة الناخبة التي تعاني من التهميش و الفقر. و كان لهم ما يشتهون.
ثم بعد الانتخابات ظهرت الكثير من الممارسات الهجينة بالموازاة مع عملية انتخاب رؤساء مختلف الجماعات المحلية البلدية منها و القروية. و لقد اشتد الصراع على بعض العموديات و الرئاسات إلى درجة منقطعة النظير بحيث أصبح من المستحيل أن يدلي الناخبون الكبار بأصواتهم و يمارسوا واجبهم بسلاسة و في هدوء بعيدا عن الملاسنات و المشاحنات و المواجهات التي لطخت البعض منها بالدماء و بدون اللجوء إلى إنزال المليشيات الموالية لهذا الطرف أو ذاك.و إلى عمليات اختطاف أو إخفاء جزء من الناخبين الكبار و حجبهم عن الأنظار طوال الفترة الفاصلة بين الإعلان عن النتائج و التصويت عن الرئيس أو العمدة.
أن هذه الصورة القاتمة لواقعنا الانتخابي المرير التي كرستها سلوكيات الكثير من الكائنات الانتخابية خلال المحليات الأخيرة لا يجب أن تمر مرور الكرام. إنها تستدعي أن نقف قليلا لقراءة ما جرى و لفك رموزه من أجل تشخيص الواقع و محاولة استخلاص الدروس تفاديا لتكرار مثل هذه الممارسات أو على الأقل من أجل محاصرتها و تقليصها تدريجيا و تضييق الخناق على الذين يهوون الاصطياد في مياهها العكرة.

1 – محاولة تشخيص الواقع الانتخابي
لقد أفرزت الانتخابات الجماعية الأخيرة مجموعة من السلوكيات الشاذة التي أثرت بشكل كبير على النتائج المفرزة و ساهمت في إضعاف القليل من الثقة التي لا زال بعض المواطنين يحتفظون بها أملا في غد سياسي آخر مختلف قوامه النزاهة و الشفافية.
و على العموم يمكن إجمال السلوكيات المذكورة في ثلاث نقط أساسية :

أ- استعمال المال
إن كل من واكب العملية الانتخابية الأخيرة لاشك أنه لاحظ أن جزءا كبيرا من المرشحين لجئوا إلى استعمال المال بشكل أو بآخر لاستمالة الناخبين. و من المعلوم أن هذا السلوك الشاذ يقتصر على الأحياء الهامشية و العالم القروي حيث يوجد عدد كبير من الناخبين الذين يعانون الإقصاء و التهميش. في حين أن المناطق الحضرية التي تقطنها الطبقات المتوسطة و الميسورة تكون دائما الأقل إقبال على المشاركة في الانتخابات نظرا لعدم إيمانها بجدوى و بجدية هذه العملية.
بكل تأكيد أن عملية التصويت بمقابل مرفوضة رفضا باتا و لا يمكن أن تجد تبريرها لا في الفقر و لا في التهميش. لكن و بفعل تكريسه و مأسسته تحول التصويت الممول إلى عامل سوسيو إقتصادي يشكل جزءا لا يتجزأ من الواقع الانتخابي المغربي. و هو ما يفرض أن يؤخذ هذا العامل بعين الاعتبار في المستقبل ليس فقط على مستوى التحليلات البعدية بل أيضا على مستوى صياغة المعايير المنظمة لكل عملية انتخابية.
إن عملية شراء الأصوات تمس الديمقراطية في كنهها و تفرغ الانتخابات أيا كان نوعها من مفهومها السامي الذي جعل منها ممارسة كونية و حولها على ما يشبه الرئة التي تتنفس من خلالها أفكار الشعوب. و ما يثير الاستغراب في هذا الأمر هو أننا لازلنا نرفض رؤية هذه الظاهرة التي لا يختلف اثنان حول مدى تأثيرها على نتائج الانتخابات و نفضل، ترسيخا لتقليد أحد الطيور القليلة التي لا تستطيع أن تطير، غرس رؤوسنا في التراب عوض الإعتراف بالواقع و مواجهته بأساليب و آليات حقيقية.

ب – بلقنة المشهد السياسي
لقد لعبت العتبة بكل تأكيد دورا فعالا في صناعة نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة و أتاح اعتماد هذه الإلية للأحزاب الكبرى و المتوسطة بسط نفوذها على الخارطة السياسية المغربية إذ منحتها حوالي 90% من المقاعد المتبارى عنها فيما تقاسمت الأحزاب الصغيرة التي تجاوز عددها العشرين العشرة في المائة المتبقية.
لكن، على الرغم من أن اعتماد نظام العتبة يعد من الحسنات التي تحسب لهذه الانتخابات إلى أنه من الثابت أن هذه الآلية تبقى غير كافية لوحدها للحد من بلقنة المشهد السياسي المغربي التي تسببت في إفقاد العملية الإنتخابية الفعالية و الجدية و النجاعة الضرورية و التي تعتبر المسؤول الأول عن فقدان الثقة التي تؤدي إلى عزوف الناخبين و مجافاتهم لصناديق الاقتراع. كيف يعقل أن يكون لنا ثلاثون حزبا سياسيا و أن يزعم كل حزب أنه يتوفر على مشروع سياسي مستقل و على حلول هيكلية للمشاكل التي نتخبط فيها.
لقد تحولت الأحزاب السياسية المغربية مع مرور السنين و في ظل هذا الواقع إلى مصاعد عابرة للصوت تحمل أصحابها من أسفل الأدراج إلى قمم السلطة، و تحولت الساحة السياسية إلى مستنقع ملوث لا يجرأ على الاقتراب منه إلا أولئك الذين يهوون الإصطياد في المياه العكرة. إن إعادة الثقة في السياسة و السياسيين تقتضي إعادة هيكلة المشهد السياسي الحزبي باعتماد آليات و تقنيات أثبت نجاعتها في العديد من التجارب الديمقراطية الرائدة التي إعتدنا الاستئناس بها و سردها كنموذج حي لما نصبوا الوصول إليه.

ج – الصراع على الرئاسة و العمودية
لقد شكل الصراع على رئاسة مختلف المجالس القروية و البلدية نقطة مظلمة بكل المقاييس. و لقد بلغ الصراع ذروته في العديد من المدن و القرى و تناسلت عنه مجموعة من السلوكات الهجينة التي تضرب الديمقراطية في الصميم.
و يجد هذا الصراع أساسه في مجموعة من الأسباب. السبب الأول يتلخص في بلقنة الخارطة السياسية المحلية. فبإستقراء نتائج الانتخابات الجماعية الأخيرة نجد أن عدد المجالس التي فاز فيها حزب من الأحزاب المتنافسة بالأغلبية المطلقة جد محدود. بالمقابل، يلاحظ أن أغلب المجالس كانت مشكلة على الأقل من خمسة أو ستة أحزاب على الأقل. و يؤدي هذا الواقع بشكل طبيعي إلى انعدام الاستقرار السياسي نتيجة صعوبة الوصول إلى تحالفات حقيقية و بنيوية من جهة و نظرا لغياب الولاء التام للقيادات الحزبية المحلية و المركزية و رفض الامتثال لتوجيهاتها من جهة أخرى. و لعل هذا ما يفسر كيف أن أحزابا اكتفت بالرتبة الثالثة أو الرابعة فازت ببعض العموديات و الرئاسات. يضاف إلى هذا أن اقتراع الناخبين الكبار عرف كذلك إنزالا مهما للأموال، كما لجأ في بعض الأحيان بعض ممثلي الإدارة أو الأحزاب المحسوبين عليها إلى استعمال مختلف أنواع الضغط قصد التحكم في طبيعة التحالفات.
إن هذه المظاهر الثلاث المستشفة من خلال تشخيص واقع العملية الانتخابية في بلادنا تعطينا فكرة واضحة عن بعض مكامن الخلل التي ينبغي أن نقف عندها طويلا و نبحث لها عن حلول حتى لا نكون من تلك الدول التي تكتفي باجترار ماضيها لأنها لا تعرف تاريخها جيدا أو تتحاشى معرفته.

2 – قراءة في بعض الحلول الممكنة
من العبث أن نكتفي بشجب السلوكات الهجينة التي تحول بيننا و بين تكريس الديمقراطية المحلية و أن نضع أيدينا فوق خدودنا في انتظار غد أفضل قد يأتي أو لا يأتي. فعملية التشخيص التي قمنا بها لا يمكن أن تكون ذات أهمية إلا إذا شكلت القاعدة الأساسية التي تستنبط منها بعض الحلول الممكنة التي يتوجب إعمالها قصد تلميع صورة الأحزاب و الممارسة السياسية ببلادنا.

أ – إعادة النظر في التقطيع الانتخابي
إن محاربة إستعمال الأموال يقتضي ضرورة إعادة النظر في التقطيع الانتخابي. ويستلزم أن يأخذ التقطيع الجديد بعين الاعتبار مسألة مهمة و هي خلق نوع من التوازن بين مكونات كل دائرة انتخابية. حيث يلزم أن تكون كل واحدة مرآة تعكس الطبيعة البنيوية للمجتمع المغربي برمته و تضم عينات من كل الطبقات السوسيو الاقتصادية. و على الرغم من أن هذا الأمر غاية في الصعوبة و يتطلب الكثير من الجهد، إلا أنه ليس بالمستحيل.
إن حصر الأحياء الشعبية في دوائر هي أقرب لكيطوهات الانتخابية يخدم مصالح الكائنات الانتخابية الفاسدة التي أثبتت مع مرور التجارب أنها مستعدة لأداء أي ثمن نظير حصولها على مقعد مريح على الرغم من أن شعبيتها لدى الناخبين تقارب الصفر. لدى فإنه من الضروري إن نحن أردنا تقليص مجال هذه الظاهرة و الحد من نجاعة هذه السلوكات أن نعتمد تقطيعا انتخابيا براغماتيا.
من جهة أخرى، لا شك أن هذا التقطيع يمكن أن يشكل أساسا لخلق بعض التوازن في الجماعات المحلية البلدية و المقاطعات التي يكرس التقطيع الحالي نوعا من التمييز بينها بناءا على أسس سوسيولوجية و اقتصادية.
من جانب أخرن يمكن كذلك إعمال مجموعة من الآليات الموازية لمحاربة ظاهرة استعمال المال و شراء الذمم كاشتراط توفر رابطة قوية بين المرشح و الدائرة التي ينوي الترشح فيها. فإذا كنا نلزم الناخبين بالتصويت في الدوائر التي يقطنون فيها فكيف لا يطبق الأمر نفسه على المرشحين. و كيف يعقل أن يدير منتخبا مجلسا لمدينة أو قرية لا يقيم فيها. إن هذا مظهر آخر من مظاهر العبث التي يلزمنا إعادة النظر فيها لإعادة الاعتبار للعمل السياسي.

ب – اعتماد نظام الدورتين
ما من شك في أن البلقنة التي تعرفها الخارطة السياسية المحلية منها و الوطنية لا تخدم لا الديمقراطية و لا الأحزاب. بل و يمكن الجزم بأن البلقنة هي الظاهرة البنيوية الأولى التي ينبغي أن تجند الدولة كل آلياتها لمحاربتها نظرا لما لها من تأثير و انعكاس سلبيين على مسألة الثقة التي من المفروض أن تأطر لعلاقة المجتمعين السياسي و المدني و لعلاقة الناخبين بمنتخبيهم.
و إذا كانت البلقنة ظاهرة مرضية ألمت منذ سنين بالجسد السياسي المغربي، فإن محاربتها تبقى رهينة باعتماد آليات ناجعة عوض الاكتفاء بزراعة المسكنات و المهدءات من قبيل "العتبة" التي سرعان ما يزول تأثيرها. إن من بين الآليات الأكثر نجاعة لاستئصال هذا المرض من حياتنا السياسية هو اعتماد نظام الدورتين. فهذا النظام هو وحده الكفيل بإنتاج مجالس منسجمة و واضحة المعالم تتوفر على أغلبية عددية يسند إليها التسيير و تحاسب في نهاية ولايتها و أقلية تراقب و تنتقد و تسعى إلى الوصول لمراكز القرار بالاستفادة من مبدأ التناوب و من تفعيل الهيئة الناخبة لآلية التصويت العقابي.
كما أن اعتماد نظام الدورتين كفيل بالحد من تفريخ الجسد السياسي لأحزاب شخصانية. فهذا النوع من الأحزاب سيتحول لا محالة إذا تم اعتماد النظام المذكور إلى قواقع فارغة و سينتهي الأمر بمهندسيها إلى التسليم –رغما عن أنفهم- بأن السلوكات من هذا القبيل ليس من شأنه أن تأثر على الخارطة السياسية، مما سيكون له انعكاس حقيقي على مسألة التقاطب التي ستؤدي حتما إلى إنبثاق تحالفات إستراتيجية قوامها وحدة الأفكار و البرامج و المبادئ.

ج – التحديد القبلي للمتنافسين على العمودية و الرئاسة
إن الهجانة و الميوعة اللتان طبعتا السباق نحو العمودية و الرئاسة يقتضي إعتماد كل الوسائل الكفيلة بالحد من كل تلك الممارسات. و بقراءة متأنية لمجريات الأحداث، نستنتج أن الخلل الأساسي يكمن في أن مسألة الرئاسة أو العمودية لا تطرحان إلا بعد انتهاء العملية الانتخابية. فكيف يعقل أن يترك أمر في غاية الأهمية، بل يمكن أن نقول أنه يشكل الرهان الأساسي الذي يتصارع حوله كل المشاركين في الانتخابات المحلية إلى ما بعد الانتخابات و لا يشرك الناخبون في صياغته. صحيح أنه تقرر خلال التجربة الانتخابية الأخيرة حصر الحق في الترشح إلى العمودية في المدن الكبرى على وكلاء اللوائح قطعا للطريق على بعض الكائنات التي قد تنافس عليها و تنالها حتى بدون أن تحصل على تزكية من الحزب الذي تنتمي إليه. لكن هذا التدبير يبقى غير كاف. فقد يتأجج الصراع حتى بين كوادر حزب واحد كما كان سيحدث في العاصمة الاقتصادية.
إن علاج ظواهر الاختطاف و الاختفاء و الارتشاء و غياب الولاء للأحزاب تقتضي إجبار كل حزب دخل غمار الانتخابات في جماعة معينة على الإعلان بشكل قبلي على المرشح الذي ينوي ترشيحه للعمودية أو الرئاسة لكي تشارك الهيئة الناخبة في التصويت عليه من جهة، و من جهة ثانية، لوضع حد للصراعات المبتذلة التي تطفوا على السطح في الساعات الأولى الموالية لعملية فرز الأصوات.

على الرغم من السلبيات الكثيرة التي أفرزتها و التي ينبغي معالجتها، إلا أنه لا بد أن نسجل أن الانتخابات الجماعية الأخيرة لم تخل من بعض النقط المضيئة التي ابتهجنا لها و التي بعثت في أنفسنا بعض الآمل. لقد فرحنا و فرح الديمقراطيون لتعثر الحصان في بلد النخيل وذّبول السنابل في العدوتين و صمود الوردة في بلاد سوس. فرحنا و فرح الديمقراطيون لأن الجرار الذي خفنا أن يدهسنا أصيب بعد الانتخابات بخلل في مجموعة من أعضائه ليعلم سائقوه و من تعلق بأهدابه بأن الكائن الانتخابي المغربي له طبيعة خاصة تجعل منه غير قابل للترويض. فرحنا و فرح الديمقراطيون لأن بعض الوجوه القديمة التي كانت تظن نفسها خالدة اندحرت و أخرى باتت على وشك الإندحار.
و ما نتمناه اليوم هو أن تعم فرحة الديمقراطيين بعد ثلاث سنوات خلال الاستحقاق المقبل و هذا رهين بمدى استفادتنا من دروس الماضي و الوعي بضرورة تصحيح المعايير الانتخابية التي أثبت التجربة السابقة بأنها باتت متجاوزة و بأنها لا تلائم الواقع الانتخابي المغربي و خصوصياته المتعددة.