يمكن وصف كتاب "الزعامة" لكاتبه "رودولف جولياني" عمدة نيويورك السابق، على أنه سيرة ذاتية لأحد رواد الخدمة العمومية، والذي يرسم الخطوط العريضة لما يمكن أن يكون عليه زعماء/مدراء و أصحاب الخدمة العمومية.

يصنف الكتاب أيضا على أنه يمثل شهادة حية لرجل وهب نفسه لخدمة العموم، وأسس بنفسه المعايير التي بنى عليها سياساته في تسيير مدينة نيويورك، بالولايات المتحدة الأمريكية لسنوات عديدة.
من خلال هذه السيرة الذاتية لصاحبها عمدة مدينة نيويورك السابق، يستطيع المرء فهم تلك العلاقة التقاطعية والمتشابكة بين القيادة، الخدمة العمومية وقيم المواطنة.
كل هذه العناصر تتلاقى، تتلاقح، تتشابك وتتجانس لتؤسس عناصر إدارة العمل كافة المؤسسات والهيئات العمومية والخاصة العاملة والمتعاقدة مع القطاع العام.
إن كتاب "الزعامة" من خلال فصوله المتعددة، يستعرض الأساليب المتعددة والآليات التي يمكن تسخيرها من أجل الخدمة العمومية والقيادة في عصرنا الحالي. فمن وجهة نظر "رودولف جولياني"، يعتبر أن مفهوم الزعامة في إدارة مدينة شبيه بإدارة أي مدير لأية منظمة قائمة بذاتها، وهذا يظهر جليا من خلال قراءتنا للكتاب، حيث أنه يشدد على الصفات التي يجب أن يتمتع بها أي قائد/زعيم، والتي اكتسبها هو بنفسه وتعلمها من خلال تجربته الشخصية في إدارة مدينة نيويورك.
_على أي زعيم أو قائد أن يتمتع بالجرأة اللازمة والخبرة النافذة، وبحس المسؤولية من أجل تحسين وتمتين مردودية كل قسم من أقسام الإدارة، بدون نسيان التحلي بالالتزام والتفهم، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتطبيق القوانين وتوكيل المسؤولية.

إن "جولياني" يؤمن وبشدة بأنه كان من واجبه وجزءا من مسؤوليته أن يكون ملما بكل شيء، وعارفا بكل شاذة وفاذة عن كل شيء، أثناء إدارته لمجلس بلدية نيويورك، كان دائم التواجد، يصغي لكل شيء، ولا تفوته شاردة أو واردة. كان يحب التفاصيل ولا يهمل أية معلومة مهما كانت بسيطة أثناء عمله كعمدة لمدينة نيويورك، تمكن "رودي" أو هكذا كان يسميه العامة، من أن يخفض من معدل الجريمة، ومن أن ينقص من معدل عجز الميزانية.
إن دل هذا على شيء إنما على أن الطرق والأساليب التي كان يستعملها كانت مثمرة وفعالة إن لم تكن ناجحة. لقد كان دائما يقدر الأشخاص الذين يعملون لديه، ويحترم مواطنيه ويثمن على مجهودات الكل من أجل مدينة أفضل و إطار عمل ناجح.

فعلى سبيل المثال، لم يكن يتوانى عن زيارة أحد الموظفين لديه إن علم بمرضه، ولم يكن يتقاعس عن مساعدة أحد المواطنين إن طلب نجدته. كما أن الكل لا ينسى مواقفه التاريخية اتجاه مواطنيه بمدينة نيويورك بعد أحداث 11 سبتمبر، وكيف أنه اشتغل بحزم وإنسانية ليل نهار بدون كلل، خلال الأزمة وبعدها، من أجل أن تستعيد مدينته توازنها، بريقها وسحرها.

لقد خاض حرب خاصة أيضا تمثلت في إعادة إعمارها، وجمع التبرعات من كافة دول العالم والمنظمات من أجلها ومن أجل مواطنيه الذين عانوا من أثار ما بعد هجمات 11 سبتمبر.
إن كتاب "الزعامة" يعد خلاصة لكيفية خدمة المواطن، لإرساء قيم المواطنة، ولكيفية الحفاظ على الصالح العام ومصالحه من خلال تحسين مستويات الخدمة العمومية.

إن أي مدير للخدمة العمومية يجب أن يسعى وراء صفات معينة:
1)_ كيفية النهوض بقيمة الخدمة العمومية في إطار تحكمه صفة الكرامة.
2)_ كيفية البحث عن إرساء القيم الديمقراطية عند التركيز على مصلحة العموم.

من خلال مقارنة كتاب "جولياني" مع كتاب "الخدمة العمومية الجديدة" لكاتبيه "جانيت و روبرت رينهاردت" يتجلى لنا بصفة واضحة أن "جولياني" لا يفرق بين خدمة العموم وإدارة العموم. "جانيت و روبرت رينهاردت" يركزان بشدة على خدمة المواطنين و ليس الزبائن، في حين يعتقد "رودي" بحزم أن الزعيم يشبه في دوره مدير مشروع تجاري. ولقد أيد "جولياني" هذه الإمكانيات في إدارته المحلية. وبالرغم من ذلك، فإن كلا الكتابين يتفقان على أن أي زعيم أو مدير أو قائد أن يتميزوا بالتفكير الإستراتيجي قبل اتخاذ أية خطوة أو عمل أي شيء.

هذه الخدمة، العمل/الإجراء يجب أن يتخذ في إطار دموقراطي بدون أن يكون ذلك على حساب القيم الدموقراطية.

كتاب "الزعامة" يتحدث ليس فقط عن خدمة القطاع العام، ولكن أيضا عن التحفيز كعامل و عنصر مهم في القيادة والإدارة. فهو يعتمد العنصرين في نفس الوقت، خصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر. فهو، من خلال هذا الكتاب، يصف قيادة خدمة العموم كإجراء و ليس كوظيفة.

هو يصف هذا الموقف على أساس أن الأمر يتعلق بالتعاون بعيدا عن الذاتية و الشخصانية، وبأنه موقف يميل إلى العمل الجماعي. ويسترسل في القول بأنه على أية حكومة محلية لأي مدينة أن تصبوا دائما إلى إيجاد اتجاهات جديدة. هذا كله لا يتأتى إلا بإشراك و إقحام المواطنين في كل الإجراءات.

من هذا المنظور فهو يكتب قائلا: " إن أي واحد من ساكنة نيويورك عندما يأخذ من وقته ليأتي إلى اجتماع المجلس البلدي، ويقف أمام جيرانه ليتحدث عن مشكل ما، فإن هذا الشخص يستحق الإنصات اللازم".

إن "جولياني"، من خلال سياق فصول الكتاب، يبدو أنه يقدر و يثمن ويعترف بمجهودات ومشاركات أي أحد يساهم في خدمة وتحسين وحماية مصالح العموم.
ونجده تارة يتحدث عن المتطوعين ودورهم وإنسانيتهم، وتارة عن الموظفين في القطاع العام، وتارة أخرى عن الزعماء الروحيين ودورهم في خدمة المواطنين والأشخاص والمجموعات المهمشة.

هو يعي جدا أهمية ودور كل هؤلاء، إنه يعرف معدن الناس و يقدرهم حق تقديرهم. فالاحترام والتقدير، حسب "روبرت و جانيت"، يكتسب ويثمن كما تثمن المردودية أيضا.

إن كتاب "الزعامة" لمؤلفه "رودي جولياني"، يمكن وصفه بالسيرة الذاتية، إلا أنه لا يركز على حياته الشخصية بقدر ما يركز على حياته الوظيفية وآرائه المهنية من خلال موقعه وتجربته لعقود من الزمن في إدارة الشأن المحلي والقطاع العام بمدينة نيويورك.

إلا أنه من المؤاخذ عليه أنه أحيانا ينسى أن القيم الحالية للإدارة العمومية يمكن أن تؤثر سلبا على القيم الدموقراطية لكونها تفشل أحيانا في الأخذ بالحسبان كل تلك المتغيرات والمتطلبات التي يفرضها العالم الخارجي والظروف المتغيرة والمتقلبة.
يقول "جولياني" أن الزعامة لا تحدث هكذا ولا تأتي من العدم، ولكن يمكن تعلمها، تدريسها وتطويرها.