سارعت قيادات ورموز العدالة والتنمية إلى اعتبار النتائج التي حققها الحزب خلال الانتخابات المتعلقة بالغرف المهنية التي جرت أمس الجمعة إيجابية، بل إن هناك من القيادات من ذهب في تحليله إلى أن الحزب الذي يقود الحكومة تقدم بالمقارنة مع انتخابات سنة 2009، حيث انتقل من 81 إلى 196، وبالتالي فهو الحزب الفائز حسب تحليلات وتدوينات نشرت على صفحات قيادات الحزب بالمواقع الاجتماعية .

أما الإعلام التابع للحزب فعوض أن يركز على النتائج المثيرة التي حصل عليها حزب الأصالة والمعاصرة والتي بوأته الصدارة بما مجموعه 408 وبنسبة جد هامة وصلت إلى حدود 18,72 بالمائة، أو على الأقل تحليل نتائج العدالة والتنمية التي كانت متواضعة بالنظر لتواجده القوي داخل المؤسسات، سارع بطريقة يشفق عليها إلى معالجة وتحليل النتائج المتقهقرة التي حصل عليها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ومحاولة إظهارها على أنها سابقة في تاريخ حزب إدريس لشكر، ناسين أو متناسين أن الحزب الذي قاد حكومة سنة 1998، ومشاركته بعدها كمكمل في حكومة إدريس جطو انتهى، وأنه في طريقه إلى الانهيار الشامل في القريب العاجل، وهو ما يمكن اعتباره كمحاولة لتوجيه الأنظار إلى وجهات أخرى عوض التركيز على فشل الحزب في تبوأ مراكز جد متقدمة.

المعالجة التي حاول العدالة والتنمية تقديمها للرأي العام، غير صائبة في تقديري طبعا لاعتبارات عديدة، من بينها أنها عزلت حفلة أمس الجمعة 07 غشت الجاري، ـ وهي حلقة أولى ضمن سلسلة من الحلقات الانتخابية التي سيعرفها المغرب، حيث ستتوج بانتخاب مجلس للمستشارين (الغرفة الثانية) يوم 02 أكتوبر المقبل ـ عن سياقها والظروف التي أجريت فيها، ونعني هنا أساسا سياق ما بعد الحراك الذي شهده المغرب سنتي 2011 و 2012 متأثرا بالثورات العربية التي أطاحت بأنظمة ورؤساء كانوا يعتقدون أن كرسي الزعامة والرئاسة دائم ووراثي، وأن السياق هو سياق ما بعد إقرار دستور جديد، وبانتخابات ـ رغم الملاحظات التي يمكن تسجيلها على الدستور وعلى الظروف التي جرت فيها انتخابات 25 نونبر 2011 ـ أتت بحزب لم يكن يحلم في الوقت الراهن الوصول إلى ذلك العدد من المقاعد البرلمانية (107)، ولم يكن يحلم أيضا بقيادة حكومة باختصاصات تخلت عن جزء كبير منها في نصف الطريق .

وأن الأمر يتعلق بسياق ما بعد المظاهرات التي طالبت بحل حزب الأصالة والمعاصرة باعتباره حزب أسسه رجل مقرب من السلطة، ويخدم أجندة السلطة، وبإبعاد مجموعة من قياداته، بل إن بعض المظاهرات طالبت بمحاكمتها، قبل أن يتدحرج إلى مراتب متأخرة خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي تصدرها حزب العدالة والتنمية بعدد مقاعد يستحيل عليه تكرارها في أي انتخابات قادمة، فالحراك أصبح مشلولا، والمساحة واسعة وطويلة أمام السلطة الحاكمة لاسترجاع كل ما اعتبره البعض أنها فقدته .

ماذا يعني سيطرة حزب الأصالة والمعاصرة على نتائج انتخابات الغرف المهنية لحفلة أمس؟ يعني بكل بساطة أن المغرب عاد إلى فترة ما قبل الحراك، وبالضبط إلى سنة 2009 حيث اكتسح هذا الحزب الذي كان يقوده أنذاك مستشار الملك حاليا السيد فؤاد علي الهمة، الاستحقاقات المهنية والجماعية وهو لم يمضي على تأسيسه سوى بضعة أشهر، بل إنه حصل الوصل القانوني بطريقة مثيرة، في الوقت الذي عملت فيه أحزاب ممنوعة كل ما في وسعها بل وطرقت كل المساطر القانونية والودية لتسوية وضعيتها القانونية لكن دون جدوى .

يعني أيضا عودة حزب السلطة والأحزاب الإدارية، وسياسة التحكم والسيطرة على المؤسسات المنتخبة، وتعني مما تعنيه أيضا أن النتائج التي أعلنها وزير الداخلية ليلة أمس هي إشارة قوية إلى عودة هذا الحزب بشكل أقوى خلال الاستحقاقات القادمة الجماعية والجهوية، والتشريعية في القادم من الشهور، لذلك يمكن اعتبار حراك الشباب الذي شهده المغرب، والذي أرغم الأصالة والمعاصرة ورموزه وقياداته على الانزواء والركون إلى الوراء في انتظار هبوب العاصفة، بمثابة فاصل أو حلم قصير سرعان ما انتهى، وأن القوس الذي فتح بداية سنة 2011 أغلق بشكل نهائي بعد ظهور النتائج النهائية الصاعقة لانتخابات الغرف المهنية .

بقي أن أشير إلى تصريحات صحفية لقيادات حزب عبد الإله بنكيران (أفتاتي، ماء العينين..) تؤكد استعمال المال الحرام، وأنه هو الذي بوأ حزب الأصالة والمعاصرة الصدارة، بل إن قياديا ذهب بعيدا عندما قال"إن النتائج المحصل عليها، تعبر عن استمرار الفساد ومخلفات العهد البائد"، بعد هذه التصريحات هل يمكن اعتبار نظرية الإصلاح من الداخل ومزاحمة الفساد مع وجود أدوات فاسدة، والحزب يقود الحكومة، فشلت ؟ أم أن الأمر يحتاج إلى وقت لإزاحته .