عزل بطعم التنصيب:

إذا كان عزل القاضي النظيف الأستاذ الهيني، وظيفيا، استهدف تنصيبه قاضيا في ضمائر المواطنين، وبصفة خاصة شرفاء رجال القانون، والفعاليات النشيطة في مجال الحقوق والحريات، فقد تحقق الهدف؛ كما لم يتحقق أبدا في تاريخ القضاء المغربي الحديث.

وإذا كان الهدف طرده من حاضر القضاء، وتنصيبه قاضيا دائما في التاريخ، فقد تحقق الهدف أيضا.

أقول هذا وأنا أستحضر أسماء قضاة كبار من تاريخنا الإسلامي، خلدتهم نزاهتهم الشرعية والفكرية ومواجهاتهم مع ولاة وخلفاء طغاة، تجاوزت العزل إلى الجلد والقتل.

يعشق معاوية بن أبي سفيان امرأة فاتنة الجمال، فيغريه استبدادُه بزوجها الضعيف فيخاطبه، بكل رعونة:

طلقها فلست لها بكفء *** وإلا يعل مفرقك الحسام

من يقضي في الأمر غير الهيني الآخر، الذي ألقى في وجه النزوة المستبدة بحُكمه القوي: طلاق المكره لا يجوز.

وصار الحُكم نبراسا قيست عليه بيعة المكره، التي حِيزت تجبرا لليزيد بن معاوية، والسياف فوق رؤوس كبار المعارضين، من أبناء الصحابة.

ومن لا يعرف "بائع الملوك" العز بن عبد السلام، الذي قضى بأن إمارة المملوك لا تجوز؟

نزل الحكمُ صاعقة حقيقية على أمراء المماليك في مصر. ولما غضبوا وطردوا القاضي من القاهرة؛ لحقت به الخاصة والعامة، في خروج مشهود أفرغ المدينة.

لم يجد الحاكم بُدا من دعوة القاضي إلى الرجوع؛ فعاد مخفورا بالجماهير، راكبا أتانه، وفي ركابه أبناؤه.

أقيمت سوق نخاسة، بضاعتها أمراءُ المماليك. اشتراهم أثرياء مصر وحرروهم. وبقي العز بن عبد السلام في مجلس عز وقضاء لا ينفض أبدا.

إن كان هذا هو الهدف، فثقوا أن تاريخ القضاء في المغرب لن يطرد الهيني أبدا.

لن يُظلم قاض نزيه لدى ملِك عادل

بالرغم من متابعتي لكل كتابات الأستاذ الهيني، وتفاصيل الإيقاع بقوة الرأي لديه، وليس محاججته، لم أُسْتفز كما حصل لي هذا الصباح وأنا أستمع إلى أشرطة وقفته الاحتجاجية –مع مناصريه- أمام وزارة العدل والحريات.

ليس هينا أبدا ما ذُكِر عن عملية تزوير طالت مِلف عزله، الذي رُفع إلى جلالة الملك، ضمن ما يبت فيه النظر الملكي، دوريا، من شؤون القضاء.

لا أكثر نيلا من مصداقية القضاء، والدولة، من أن تُحذف وثيقة أساسية –اعتبارا لجهة صدورها- من ملف، يُشكل لحظة مفصلية في حياة القاضي الهيني المهنية. في ملف كهذا تعدّ شهادة الرئيس المباشر للمعني بالأمر عُمدة في أي قرار يتخذ.

كيف تُحجب هذه الشهادة، التي يقول عنها القاضي المعزول بأنها كانت في صالحه، عن النظر الملكي؛ حتى لا تبقى غير وثائق الاتهام حتى لا أقول الإدانة.

وأي اتهام يمكن توجيهه إلى قاض، كلُّ ذنبه هو أنه يجهر برأيه في مشاريع قضائية معروضة للنقاش؟

لا شك في أن الاتهام يصبح مفهوما حينما يوجه إلى الساكتين عن الرأي وعن الحق، في مشروع أساسي يهم السلطة القضائية ببلادنا.

ولا شك في أن نضج القوانين وسمو أرواحها يعود إلى فقهاء وقضاة من طينة الأستاذ الهيني.

لا داعي لتفصيل ما أصبح معروفا، ولا مزايدة على قرار اتخذ على مستوى عال؛ لكن الحُجة اليوم بالغة القوة والخطورة معا. وإذا ثبت فعلا أن مسطرة العزل شابتها أخطاء، لعدم اعتمادها على جميع الوثائق الأصلية في الملف، فهذا مدعاة بالعودة بالقضية إلى بدايتها، لمعاودة البحث فيها، بكل تجرد.

أقولها وأكرر، بناء على النهج الملكي الراسخ، في ترشيد الدولة، القضاء، الإدارة والبرلمان؛ لا يمكن أن يُظلم قاض نزيه لدى ملك عادل.

ومن منطلق الغيرة على مؤسسات البلاد، ومنها القضاء الذي ينعقد باسم جلالة الملك، أنتظر أن يعاد البحث في ملف العزل، وإن ثبت التزييف يحاسب مقترفوه؛ حتى لا نخسر مرة أخرى قضاة نزهاء، من طينية الأستاذ الهيني.

ما بعد الحرمان من المحاماة إلا الطحن

خسرنا قاضيا نزيها، لأسباب لا نعرف كل تفاصيلها؛ ويسعون إلى حرماننا من محام مقتدر، لأسباب لا تفاصيل فيها عدا عنفوان الجهة المستبدة وحقدها على كفاءة قانونية أصبحت تشكل مدرسة.

إن كانت هناك قضية، فقد استوفت كل اشتغالاتها بصدور قرار العزل، والإلقاء برماد الحرق؛ فمن أين طائر الفنيق هذا؟ من أين هذه العنقاء التي تريد أن تُغلق على الرجل حتى أبواب الهواء؟

هل يُحاسب الهيني – حتى في المحاماة- على الصدح بالرأي؟ هل تنتظرون أن يُلقي بنفسه – وبدوره - في شاحنة النفايات، حتى ترتاحوا منه؟

وماذا لو انتفض كل الوطن وخرج مع الهيني، خروج القاهريين مع العز بن عبد السلام؟

ولكن من يدلس - إن حصل - في أمر معروض على النظر الملكي، يستسهل قطع الأرزاق، وحتى الفتنة تصيب الناس في هذا الوطن الآمن.

فيا جلالة الملك، أقف ببابك مناديا، وما خاب رجائي أبدا: ألا لا يظلمن قاض نزيه لدى ملك عادل؛ وكلي ثقة في قضاء ينعقد باسمكم..