صلاح الدين عابر

نأسف مراراً على نُخبتنا السياسية، ونلتفت في الجهة الأخرى إلى مُثقفينا، فنجدهم نيام لا يشعرون، وحُكامنا لا يعلمون، وإنما وصل بهم الأمر إلى حدّ انهم يسألون بكل غرابة و استغراب، وكأن المغاربة، كانوا مُتربعين على عرش المملكة لقرون طويلة، و أن حُكامنا كانوا و لايزالون مُجرد رعايا لدينا و موظفين..

 

حقاً إنها عبثية سياسية عميقة، و غريبة، يُصعب تفكيكها و تحليلها، والذي ينظر إلى المشهد السياسي المغربي، سرعاً ما يُصاب بالذهول و الفزع، نظراً لسيرورة الوضع السياسي القائم و المُربك، أمام كل هذا، و في ظل غياب من يعطينا صورة كاملة على وضعنا السياسي هذا ويُحلله، و في ظل غياب صورة صريحة من المؤسسة الملكية تجاه المغاربة، جاءتنا حكومة سُميت بحكومة ” عبد الإله بنكيران “ الذي قال مراراً أن لولاه، لكانت شوارع المغربية كلها دماء، وان حزبه هو من انقد مغاربة.

الشعب المغربي، عاش طيلة حياته يُقاطع شيء اسمه ” الانتخابات “ بدون أيّ خليفة سياسية او اديولوجية أو مواقف مُعينة، وإنما ذلك اصبح عادة، لأن المغاربة اشمئزوا من شيئ اسمه السياسة و السياسيين في المغرب، وعاشوا في ظل حكومات فاسدة و صالحة وقاسية ومُستبدة، و مر المغرب في السنوات الماضية، بأحداث مختلفة و أزامات كثيرة، لكن لم يرروا يوماً، حكومة تستفزه بكلمة ” دم “ ومرة استقرار، و مرة اخرى تلميحات لجهات معينة، وصراع مع طرف مُعين.

فالحقيقة المطلقة، التي يجهلها سياسيونا و محللونا، هي ان عشيرة بنكيران، وصلت للحكومة من أجل البرهنة عن قدرة ” التنظيم الدولي للاخوان المسلمين “ في قدرته على فتح أجنحته على المنطقة كلها، بدا من مصر و تونس و ليبيا إلى المغرب، أملاً في سورية وعدد من الدول الأخرى، حتى الإفريقية منهم، و وصول بنكيران للسلطة في المغرب، كان عبر ضغط فرضه الجناح الأيمن للحزب و المتمثل في ” جماعة العدل و الإحسان “ والتي تُعتبر كورقة احتياطية للتنظيم في المغرب أو كورقة ضغط يضيء نُورها عبر المناسبات، و هو ما تجلى في ذروة حركة 20 فبراير و انسحاب تيار الإخوان و صعود العدالة و التنمية إلى الحكومة، و بقبول التنظيم بهذا التفاوض مع القصر الذي عاش اصعب مرحلة من حياة سياسية في تاريخه، صار بنكيران يُهدد الجميع بالعودة إلى الشارع و اشياء أخرى حول الدم، إذا حاولة جهة ما.. العصف بالتنظيم.. و بنكيران كان دائما مُطمئنناً حينما يُردد ” شعب كيبغينا او من غدا اخرج “ لأن ابجديات التنظيم و فصل العشيرة، هما منبع تفكير هذا الشخص، الذي سبقه المعزول مرسي بنفس السياق.

الذي ظن أننا نتحامل على الإخوان و جماعتها فهو يجهل تركيبة لوحة هذا الجسم، وإذا كُنا تطرقنا سلفا للسياق الوطني، فعلينا النظر في تركيبة اللوحة نفسها بشكل كلي، و نرى تلك السيرورة التي اوصلتنا إلى حدّ اضحى بنكيران يُقاوحنا و يعمل على نكس شيئء اسمه الوطن بتعاون مع المٌستبدون الدين يرون مصلحة عرشهم في أعلى اعتبار، و لطالما كانت اللوحات الفسيفسائية ” الموزاييك” هي واحدة من مفاخر الفنون التشكيلية في حضارات أوروبا و شمال أفريقيا، فقطع صغيرة من الرخام و الزجاج الملون لا يتعدى حجم أكبرها عقلة أصبع توضع بجانب بعضها البعض بتناسق محسوب لتصنع لوحة بديعة في جمال تكوينها و تصنع اثر بالغ في نفس الرائي.

من كان يعتقد أن يَصْبَحْ هذا النموذج الفني الفيسفسائي نمط تكوين أكبر تنظيم تكفيري تعرفه الإنسانية، ليصبح تنظيم ” جماعة الاخوان” هو صاحب الحظ الأوفر من جذور التكفير و النصيب الأكبر من ثماره حيث نبتت من شجرة الإخوان ثمار زقوم تكفيرية أخرى نشأت على أفكار سيد قطب و صار للتنظيم فروعا تنفذ عنه التكفير و الإرهاب بالوكالة، حتى إذا ما أراد تنظيم الاخوان ان يدخل في مرحلة كمون او تخفي ، دفع بتنظيماته الفرعية على السطح حاصدة الأرواح و مفسدة للعقول و إذا ما سقطت تولتها الجماعة بالمال و الرعاية المستترة حتى تعيد استخدامها مرة أخرى عند الحاجة .

ارتفع منسوب مياه النهْرَ، وفاضة الإخوان بكل أساليبها العنفية و خرافية و التكفيرية في أواخر سنوات ماضية، أيّ يبدو سقط القناع، ضاربة بعرض الحائط كل القيم الإنسانية حباً في السلطة السياسية، و انتهزت ثورات تمخضت عن إرادة الشعوب واستغلتها لتخدم بها أجندتها الخاصة، فعلوا ما اشئوا في المواطنين العزل، هذا من ” خوارج “ و هذا ظالم و هذا كافر .. ومن معهم ويوالي تنظيمهم، هو أطيب الخلق طبعاً، لم تكن الإخوان إلا برنامج تطبيقي لأفكار السيد قطب التكفيرية لقد كفّر سيد قطب الحاكم ومساعديه وكل من يعينه على تنفيذ احكامه من شرطة وجيش ومسؤولين و قيادات حتى وصل به الحدّ الى انه كفّر عامة الناس من بسطاء فقراء لانهم لايثورون على الحاكم الكافر و يستكينون لحكمه، يقول سيد قطب في كتابه في ظلال القرأن ( لقد استدار الزمان كهيئة يوم جاء هذا الدين إلى البشريه بلا اله الا الله فقد ارتدّت البشرية إلى عبادة العباد و إلى جور الاديان ونكصت عن لا اله الا الله و إن ظل فريق منها يردد على المأذن ( لا اله الا الله ) دون أن يدرك مدلولها ودون أن يعي هذا المدلول وهو يرددها ودون ان يرفض شرعية الحاكمية التي يدعيها العباد لانفسهم وهي مرادف الالوهية سواء ان ادّعوها كأفراد او كتشكيلات تشريعية او كشعوب) ص1057.

القيادات القطبية للإخوان من هذه المرجعية التكفيرية، هي من استولت على السلطة في مصر سنة 2012 وصعد اخوانهم المعتدلين و المستفيدين من الدرس في تونس و فرعهم في المغرب الناكر و المُتنكر للنفسه، وعتت الجماعة ظلما ونصراً لعشائرها، بل حاربت الفقراء بالأسلحة البيضاء و النارية كلما فكروا في الخروج و الاحتجاج عن أوضاعهم الإجتماعية في مصر،وحينما إنتفض الشعب المصري بعد صبر دام لسنة من الظلم و الاستبداد الأهلي الذي تمارسه العشيرة مُرسي بكل قواعدها، ظهرت الاخوان مُجدداً في الميادين بكل الأسلحة و مُختلف أنواعها، ( تُجاهد ) في سبيل السلطة و تتوعد بمزيداً من الدماء من خلال خطابات قياديها من وسط المنصات وسط ذهول العالم !، بمساعدة تظليل الجزيرة و الكتائب الإعلامية المُتخصصة حسب الاختصاص و قنوات الرأسمال التي تصب في مصلحة التنظيم عبر مختلف انحاء العالم، و حينما نفذ الصبر خرج المصريين مُستنجدين بالجيش، يأمرون برفع علم الوطن و الوطنية ،واجهت الاخوان فض تكناتهم العسكرية بالاسلحة و الخيم الملغومة، الحصيلة كانت مئات القتلة إضافة لحرق الكنائس و المساجد واصبح المبيت فيها شرعاً ضمن استراتيجية الإخوان،و كانت الكتائب الإعلامية تُصور التنظيم على شكل الضحية.. حقوق الانسان و الديمقراطية .. !

هذا التنظيم الشبكي الذي يرفض بطريقة او أخرى اتنازل عن ابجدياته التي لا تعترف بشيء أسمه الوطن. فالذي قتل و سحل و الذبح .. لا يمكن التسامح معه بأي وجه و القانون هو المسؤوال عن ردعه، التنظيم الذي اختار مسلك الإرهاب عليه اليوم أن يتحمل نتائج قراراته و نتائج أخطائه، ومن جهتنا علينا إعادة النظر في المشهد و نُعيد تركيب مُجرياته، لكي لا نمضي في ما يسعون اليه، وهو تصوير أنفسهم على شكل الضحية، و نحن في المغرب لازلنا مُهددون بالخطر الداهم، لطالما كان تنظيم و فرع التنظيم متشبث بنفسه.

المغاربة، بحاجة للنخبة سياسية ذكية تفكك الوضع السياسي الراهن و تشرح للمغاربة مالم يفهموه، و أكثر من ذلك، ولكي لا نجد أنفسنا أمام خيار ثاني، على السلطة السياسية في البلاد ان تقطع مع الفجوة المفتوحة، و ان تُبادر بإصلاح ديمقراطي شامل، و النهوض بالتعليم و القطاعات الحيوية في البلاد و حقوق الإنسان و الإقرار بالعدالة الإجتماعية و اصلاح انظمة المعاشات، خطر الإرهاب يُحيط بالمنطة من كل جوانب، و أفكار التشدد علينا قولها صراحة، باتت تنخر شبابنا، والسبب حينما يُغيب البديل، و حينما يبدأ يسأل المسؤول.. و حينما يتدهور الوضع السياسي و الإجتماعي في البلاد، مرحباً بالعدل و الإحسان و غيرهم من التنظيمات السياسية ذات المرجعية ” الإسلامية “ بشرط ان تُقدم للمغاربة، مشروع مجتمعي معقول، و ان تفصح لنا عن الخطوط العريضة، و ان تبادر في المساهمة لبناء شيء أسمه الوطن.