قد يجد وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى الخلفي، نفسه وحيدا مرة أخرى في المواجهة داخل متاهة السلطوية، بعد أن تأخر عرض مشروع القانون المتعلق بالصحافة والنشر على أنظار المجلس الحكومي، وبعد أن عبرت الفدرالية المغربية لناشري الصحف عن رفضها لهذا المشروع الذي ساهمت من دون شك في الكثير من مضامينه عن طريق مذكرتها وعن طريق رئيسها الذي كان عضوا في اللجنة العلمية التي أعدت مسودة المشروع.

كان واضحا منذ البداية أن معركة الإصلاح في مجال الصحافة والنشر ستكون طويلة وطريقها مليئة بالألغام، شأنها شأن المجالات المرتبطة بشكل مباشر بجوهر السلطة وطبيعة الدولة، لأن أي تغيير فيها يعني إسقاط نموذجٍ وتعديل هويةٍ، لذلك ما إن وضع الوزير الخلفي يده على ملف دفاتر تحملات متعهدي الاتصال السمعي البصري، حتى قامت الدنيا ولم يُقعدها إلا تشكيل لجنة أصبح الخلفي مجرد عضو فيها رغم أنه الوزير الوصي على القطاع.

ونفس الشيء يتكرر للأسف اليوم مع قانون الصحافة، إذ لم يشفع للمنزعجين من إخراج قانون عصري مراعٍ لمصلحة الصحافيين ومصلحة الدولة ومصلحة المواطنين، أربع سنوات من مناقشته في فضاءات مغلقة وبأجندات فيها الكثير من التدليس، باسم المقاربة التشاركية والتوافق وغيرهما من الشعارات، وإلا ما معنى أن يستمر إعداد قانون لحوالي أربع سنوات شهدت عشرات اللقاءات وعشرات المذكرات وفي الأخير نقول بأن منهجية الإعداد لم تكن تشاركية ولم تستجب للتطلعات.

ينبغي أن ينتبه الرافضون لنسخة مشروع قانون الصحافة والنشر المعروضة للنقاش العمومي، أن سن القوانين أصلا لا يكون لفائدة فئة من المجتمع بقدر ما يجب أن يكون لصالح المجتمع برمته، ويبحثوا عن جواب لسؤال: بأي حق يمكن لفئة بداعي المصلحة أن تقف في وجه مصلحة المجتمع، ولماذا تبذل الدولة الجهد في تنظيم الانتخابات لتفرز سلطة تشريعية وسلطة تنفيذية إذا كانت القوانين ستبقى رهينة عند أصحاب المصالح أفرادا كانوا أو جماعات؟

هناك تخوف إذن من تحول السجال حول قانون الصحافة إلى سجال شبيه بالذي انفجر إبّان مناقشة دفاتر التحملات، وهو ما يعني تضييع مزيد من الوقت على المغاربة وتأجيل الحسم في استحقاق مؤثر في مسار الانتقال الديمقراطي الذي يُعتقد أنه انطلق في البلاد سنة 2011.

لكن في المقابل، على الوزير الخلفي ألا يحسب كل صيحة من الصحافيين والناشرين عليه، وأن يتعامل بموضوعية مع كافة الانتقادات، وأن يعتقد جازما أن الزملاء الذين جمعته بهم نفس الحرفة ذات يوم، أو عدد كبير منهم على الأقل، لا يمكن أن تكون انتقاداتهم نابعة من خلفية سياسية متواطئة مع المنزعجين من عملية الإصلاح الجارية، وعليه أيضا أن يؤمن بأن من حق المشتغلين في الصحافة أن يخافوا على حريتهم ومستقبل علاقة الدولة والسلطة بمهنتهم، لأن الكثير منهم اكتوى وعانى من هذه العلاقة التي ظل تفسير وتأويل الملتبس فيها بيد تشتغل في مساحات ظلام قد لا تكون لها صلة مباشرة بوزارته أو حتى بالحكومة الناطق باسمها!

على الوزير الخلفي أيضا ألا يصدق كثيرا العبارات الرنانة التي يرافع بها بحرقة غير مشكوك فيها، وأن يعمل على تحويل انتقادات المهنيين الأصلاء إلى سند له وعناصر قوة أمام المعرقلين حقيقة لمشاريعه، والمعروف على كل حال من أبن يستمدون جرأتهم أو دعونا نسميها وقاحتهم، وألا يبحث عن سند عندهم
بالتعبير عن حرص على التوافق معهم، وفي الوقت نفسه مطلوب من ممثلي الصحافيين فدرالية ونقابات، أن يدققوا في رميهم ويتوجهوا رأسا إلى أصل الداء الذي ليس الخلفي يقينا.

بكلمة الواجب الديمقراطي يُحتم إسناد الوزير الخلفي ودعمه ودفعه لمزيد من الصمود في إثبات أن كثيرا من الأمور تغيرت في البلاد، وأنه وزير في حكومة سياسية تتمتع بشرعية انتخابية، وبتفويض ديمقراطي لمواصلة الإصلاح حسب ما يُفترض أن تكون انتخابات 4 شتنبر قد أفرزته.