في هذا المقال الجديد لصاحبه خالد أبوعمر الكاتب والمحلل السياسي، يكشف عن خلفيات متابعة قضاة الرأي، وعن بواعث العنف السياسي الذي تمارسه الدولة في شخص وزيرها في العدل والحريات ضد قضاة الرأي.

ويرى أوبا عمر أن الحكومة، وبدل أن تلجأ إلى "العنف السياسي المغلف بواجب الحفظ والتجرد والوقار"  اتجاه قضاة الرأي كان حريا بها تنزيل مقتضيات الفصل 111 من الدستور الذي يضمن للقضاة حرية الرأي والتفكير ومنحهم الحق في التنظيم، تنزيلا ديمقراطيا يعطي الأولوية للقاعدة بدل الإسثتناء.

ويتأسف أوباعمر بشدة على الدور الذي لعبه "مناضلون" أمثال الإتحادي حسن طارق، دون أن يذكره بالإسم، من خلال مقاله الشهير "حزب القضاة" في تعبيد الطريقة لوزير العدل لتصفية قضاة الرأي مهنيا، متأسفا أيضا على استمرار صمت من يعتبرون أنفسهم نخبة المملكة تجاه ما يتعرض له قضاة الرأي.

نص المقال كاملا:

حرية الرأي والتعبير هي جوهر الفصل 111 من الدستور


خالد أوباعمر
عندما يمارس العنف من جانب الحكومة ضد المواطنين أو ضد قطاع أو ضد فئة معينة منهم، فهدفها بكل تأكيد يكون هو تكريس السلطوية وتقليص دور القوى المناوئة والمعارضة، وهو ما يشار إليه بالعنف الرسمي الذي يتم تصريفه بوسائل متعددة وبشكل متدرج . عنف يمكن أن يبدأ بالترغيب تم يمر إلى الترهيب لينتهي بالتعسف على حقوق الناس وحرياتهم وربما ممتلكاتهم أيضا..
العنف الذي يمارس على قضاة الرأي في المغرب من خلال المتابعات التأديبية التي يتم تحريكها ضدهم بين الفينة والأخرى، هو في العمق عنف سياسي تحكمي محكوم بغايات وأهداف تكون محسوسة أحيانا وملموسة في أحيان أخرى..
القاضي الهيني الذي أحيل ثانية على التأديب يرغبون في إضفاء الصبغة السياسية على تصريحاته وعلى مقالاته بغرض إسقاطه في الخطأ الجسيم والأفق هو تحييده نهائيا من سلك القضاء من خلال العزل، والسبب الجوهري في تقديري الشخصي، هو أن هذا القاضي بقي وفيا لقناعاته ومبادئه ومواقفه فيما يتعلق باستقلالية السلطة القضائية رغم أنه خضع في وقت سابق لمسطرة تأديبية كانت سببا في تغيير مساره القضائي.
ومثلما يمكن للعنف أن يكون توجها رسميا وممنهجا للسلطة الحاكمة بغرض تكريس الطابع السلطوي للدولة الحاكمة أو الحكومة التنفيذية، يمكن لهذا الأخير، أن يكون انعكاس لحالة نفسية لفرد يكمن العنف في كيانه الذاتي الداخلي دون إعارة أي اهتمام إلى الظروف والأوضاع المحيطة بسلوكه العنفي مما يجعل من موضوع العنف هو موضوع نفسي أكثر مما هو اجتماعي الأمر الذي زكاه فرويد الذي استنتج من خلال دراساته السيكولوجية أن الحالة النفسية للإنسان هي أساس كل أعماله.
ولكي نقترب إلى المفهوم أكثر، فقد عرف القاموس الفرنسي العنف على أنه كل ممارسة للقوة عمدا أو جورا، وفي قاموس اللغة العربية فإن كلمة عنف مشتقة من الجدر " ع-ن-ف" وهو الخرق بالأمر وقلة الرفق به، أي أنه كل سلوك يتضمن الشدة والقسوة، وفي اللغة الإنجليزية فإن مفهوم العنف يحيل على الاستخدام غير مشروع للقوة المادية بأساليب متعددة لإلحاق الأذى بالأشخاص والإضرار بالممتلكات ويتضمن ذلك عدة أمور من جملتها العقاب والتدخل في حريات الآخرين..
ومثلما يكون العنف نفسي واجتماعي، يكون أيضا سياسيا، ولا سيما عندما تكون أهدافه ودوافعه السياسية غير المعلنة تهدف إلى تغيير سلوك في وضع من أوضاع المساومة له تأثيره على النظام الاجتماعي برمته.
وفي هذا السياق عرف د/ قدري حنفي العنف السياسي، على أنه نوع من أنواع العنف الداخلي، التي تدور حول السلطة ويتميز بالرمزية، والجماعية، والإيثارية والإعلانية.
من هذا المنطلق، وباستحضار نتائج المتابعات التأديبية التي استهدفت قضاة الرأي في المغرب مثلما حدث مع القاضي عنبر والقاضي فتحي والقاضي قنديل و ما يحاك اليوم ضد القاضي الهيني، الذي يتابع للمرة الثانية في ظل حرمانه من أبسط حقوقه في الدفاع، وهو المؤتمن على حماية حقوق الناس وعلى تطبيق القانون، يمكن القول، أننا أمام حالة عنف سياسي سلطوي تحكمي مغلف بمبررات لها علاقة بواجبات مفترضة للقاضي من قبيل إخلاله بواجب الاستقلال والتجرد أو ممارسته لنشاط سياسي أو صدور تصريحات عنه تكيف على أساس أنها ذي صبغة سياسية..

العنف السياسي كيفما كانت تمظهراته وصوره غالبا ما تكون له تبعات سيئة، ومهما كان الجسم القضائي غير موحد ومشتت، فإن الحملة التي تستهدف قضاة الرأي في المملكة ستكون لها آثار سلبية على النسق القضائي في المملكة.
عوض ممارسة العنف السياسي المغلف بواجب التحفظ والتجرد والوقار على قضاة الرأي، كان حري بالحكومة وبوزيرها في العدل والحريات، الأستاذ مصطفى الرميد، المضي في اتجاه تنزيل الفصل 111 من الدستور الذي خول للقضاة حرية الرأي والتعبير ومنحهم الحق في التنظيم، تنزيلا ديمقراطيا يعطي أولوية للقاعدة بدل الاستثناء.
القيود الواردة على حق القضاة في الرأي والتعبير هي الاستثناء والأساس هو حرية الرأي والتعبير، وبما أن القضاة مكون أساسي من المكونات المعنية بموضوع إصلاح العدالة في المغرب، فمن حقهم أن يترافعوا على استقلالية السلطة القضائية التي تؤطرها مبادئ دولية، من دون قمع حريتهم في الرأي والتعبير، ومن دون تكبيلهم بقيود فضفاضة..
تسويق قضاة الرأي في المغرب في الصحافة على أنهم حزب سياسي تسويق سلبي ساهم بشكل كبير في المحنة التي يتعرض لها قضاة الرأي كما هو شأن القاضي الهيني الذي يرقد حاليا في أحد المصحات بمدينة تمارة لتلقي العلاج من السكري وارتفاع الضغط، في ظل صمت عجيب لمن يفترض فيهم أنهم نخبة هذه المملكة للأسف الشديد !!