في ظل تصاعد الحركات الاحتجاجية في المغرب ذات المطالب الفئوية تحديدا طفت على السطح ظواهر غريبة ملازمة لهذه الفعاليات النضالية تفشت بشكل ملحوظ بعد الحراك العشريني والمتمثلة في رفع صور الملك مع الأعلام الوطنية والشعارات الممجدة للنظام وذلك بجانب المطالب الأصلية لبعض تلك الفئات.
المعلوم أن استخدام مثل هذه الأساليب أمر مألوف في الاحتفالات الرسمية أو في بعض المناسبات الرياضية والفنية، وهو مفهوم بطبيعة الحال ما دام من يسهر على تنظيمها النظام نفسه أو بعض المتملقين له الذين يبحثون عن امتيازات إضافية لقاء مجهوداتهم تلك، غير أن الجديد هو إقحامها في الفعاليات النضالية واستخدامها بشكل مكثف من طرف البعض الشيء الذي يحتاج فعلا إلى فهم وإلى استيعاب.
الواقع أننا لا ننكر على من شاء أن يعبر كيفما شاء، فتلك قناعاتهم وآراؤهم في النهاية، كما أننا لا نحتكر فهمنا للوطنية كما يفعلون هم، لكن نستغرب أن يتم التعبير عن "وطنيتهم"تلك بهذه الكيفية وفي كل وقت وحين حتى لو كان ذلك خارج النص كما هو الحال في المسيرات والفعاليات النضالية حتى تحول ذلك إلى تملق مفضوح للسلطات وتمييع للأشكال الاحتجاجية بما لا ينسجم مع طبيعتها القائمة على الأنفة وعزة النفس وعدم الاستجداء، فالحقوق تنتزع ولا يتم تسولها كما يعرف الجميع.
مشكلة هذه المجموعات أنها طارئة على المشهد النضالي وأنها لا تزال حديثة العهد بالاحتجاج وثقافته، لذلك فهي لم تتخلص بعد من التخوف المَرَضِي من السلطات المخزنية، فلا هي استطاعت أن تسكت عن تجاوزات السلطة وتعسفاتها بحقها كما كانت تفعل من قبل بعد أن أعياها وأجهدها الصبر على ذلك، ولا هي تمكنت من أن تناضل كما يناضل الإنسان المبدئي بعيدا عن التزلف لنيل الحقوق، لذلك فلم تجد بدا من الخلط بين المنطقين والعزف على الوترين حتى لا تستفز النظام وفي نفس الوقت هي تمارس عليه حسب ما تتصور نوعا من الضغط الناعم في توليفة هجينة.
ما يساهم في ترسيخ هذه الظواهر هي النبرة الاتهامية التي يرمي النظام بها أي فعل احتجاجي التي تصل حد التشكيك في وطنية القائمين عليه أو ارتهانهم لتنظيمات مغضوب عليها مخزنيا ما يجعل بعض المهزوزين في موقف دفاعي، فيسعون لنفي التهم عنهم بالمبالغة في رفع الأعلام وحمل صور الملك وبرسائل استعطاف للديوان الملكي وغير ذلك من الممارسات في تأصيل لبدعة ما أنزل الله بها من سلطان، فلا يحتاج كل من مارس حقه في الاحتجاج إلى فحص متجدد في وطنيته كلما أراد أن يناضل من أجل إحدى مطالبه، كما أنه لا يحق للنظام أن يفرض عليه التعبير عن حبه لبلده بالشكل الذي يريده هو.
قد يقول قائل أين المشكلة في استخدام تلك النزعة البراغماتية المحضة حتى لو أدت إلى أضرار معنوية جسيمة، فالمهم في المحصلة هو تحقيق المطالب دون تعقيد للقضية، لكن الحقيقة عكس ذلك فبخلاف ما يزعمون وحسب التجارب التي بين أيدينا، فإن نجاح تجربة نضالية ما لا علاقة له بنوعية الشعارات السائدة سواء كانت ناعمة أو متشنجة، فكثير من الفئات حاولت أن تظهر بمظهر الحمل الوديع أمام السلطات، لكنها مع ذلك لم تجن شيئا وخرجت صفر اليدين عكس عدد من التجارب النضالية الأخرى التي تميز طرحها بالقوة وهذا لم يمنعها من أن تفرض على المخزن الإذعان لمطالبها.
إذن فالذي يحسم في نجاعة الحركات الاحتجاجية عوامل أخرى منها قوة الحراك والتنظيم الجيد وحسن إدارة المعركة مع مدى تفاني تلك الفئة المناضلة واستعدادها للتضحية في سبيل مطالبها دون أن تجد من يطعن ظهرها من داخل صفها، هذا بالإضافة إلى ظرفية ملائمة تساعد على تقديم النظام تنازلات لصالحها.
كل ذلك إن حدث فلا قيمة بعد للأشكال التي قد تعتمدها أو للفئات النشيطة في الحراك حتى لو كانت من تلك التي تُستخدَم نشاطات بعض أعضاءها كفزاعة والشواهد أكثر من أن تعد في هذا الصدد،ولعلنا نلحظ أحيانا أن تواجد تلك الاتجاهات في حراك معين يزيده قوة، إذ يجعل السلطات متخوفة منه ومدركة لصعوبة اختراقه أو تدجينه وتحويره عن مساره مما يؤدي إلى تنازلات مهمة لصالحه. كما أن السلطات فطنت منذ مدة لكل الأساليب المستخدمة للتقرب منها واستعطافها، وقد أصبحت مستهلكة وتثير الازدراء، فلا يوجد أبشع من أن تطال "المناضل"عصا المخزن وهو يتذلل إليه بترديد النشيد الوطني وعبارات "العياشة"المعروفة دون أن تخفف كل توسلاته من وطأة العنف بحقه،بل وتظهر ممارساته تلك ضعفا في صفه وتعطي مؤشرات على أن مجموعته يسهل التلاعب بها.
إننا أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن تختار الضحية طريق الخنوع والسكوت عن مظلوميتها على أمل انتظار هبات أو عطايا قد تأتي من النظام وقد لا تأتي، وإما فلتختر طريق الكرامة طريق الوقوف في وجه الظالم من أجل استرجاع حقوقها المسلوبة، حينها لا يجوز أن تخدش الطريق الذي اختطته لنفسها بممارسات وطقوس عفا عنها الزمن