لا شك أن مسألة الدعم العمومي للثقافة بقدر ما استأثرت باهتمام الفاعلين الثقافيين و الرأي العام، بقدر ما بدأت تتشكل ملامح منظومتها و تعقيدات مسالكها. و هي منظومة لا تتحمل فيها "وزارة الثقافة" المسؤولية بقدر ما هي مسؤولية قطاعاتأخرى أيضا (وزارة المالية و الوزارة المكلفةبالحكامة مثلا)، بل مسؤولية الدولة باعتبارها الكيان أو الجماعة الوطنية التي تتوفر على الشخصية المعنوية و من خصائصها الاستمرار بخلاف الوزارات التي هي كيانات قطاعية قابلة للتحول أو "الذوبان" ، لهذا تمت الإشارة في مقال سابق إلى ضرورة طرح نقاش عمومي حول الدعم العمومي بعيدا عن أي رؤية قطاعية .

لكن لا مناص - في سياق مقاربة الموضوع - من قراءة لمنظومة الدعم لدى "وزارة الثقافة" باعتبارها منظومة موجهة بشكل صريح للفاعلين الثقافيين بخلاف القطاعات الاجتماعية الأخرى أو حتى الجماعات الترابية التي تساهم بشكل واضح في دعم العمل الثقافي من خلال دعم الجمعيات حيث تتقاطع أنشطة جلها –إن لم نقل كلها – في العمل الثقافي . و لنا في إعلانات دعم الجمعيات الثقافية التي قامت بها الوزارة مثلا سنوات 2012و 2013 و 2014 خير نموذج للقراءة .
دأبت "وزارة الثقافة" منذ عقد من الزمن –أو يزيد – على دعم الفرق المسرحية من خلال عمليتي "دعم الإنتاج" و "دعم الترويج" ، ثم ظهرت في السنوات القليلة الماضية ما يسمى بدعم النشر (و هي عملية و إن تأخرت كثيرا و لكنها جديرة بالتنويه من حيث المبدأ على الأقل)، و تزامنت مع عملية دعم الجمعيات الثقافية بشتى مآربها و يتم الإعلان عنها مع مطلع كل سنة، حيث تم وضع معايير دقيقة تتوخى منها الإدارة تحقيق نوع من "الحكامة" و "ترشيد المال العام" و سندهم القانوني و التنظيمي في ذلك هي دورية الوزير الأول رقم 7/2003 بتاريخ 26 ربيع الثاني 1424 الموافق 27 يونيو 2003 والمتعلق بالشراكة بين الدولة والجمعيات (هكذا) مع العلم بوجود المرسوم (الصادر في 13 ماي 2013) و الذي ينظم مسألة الدعم للمشاريع الثقافية، و لا ندري لماذا تم إغفاله و هو الأجدر بالذكر و ليس دورية 2003 التي تقل درجة عن المرسوم في سلم النصوص التنظيمية.
و بقراءة سريعة للمرسوم المذكور، يتبين أن الإدارة تسعى إلى تأسيس منظومة معيارية من خلال تحديد الأهداف من هذا التقنين (المادة 2)، و الموارد المالية و البشرية المتاحة (المادة 3 و 4)، و كيفية أجرأته ( المادة 5)، و ذلك في سياق "قواعد الحكامة و الشفافية الملزمة للمؤسسات و الفرق و الهيئات الثقافية و الفنية" (المادة 2 الفقرة6). بيد أن المرسوم، في سياق تحديد المجالات المستهدفة (المسرح، الموسيقى، الكتاب، التظاهرات)، يدرج معها "الجمعيات و الهيئات الثقافية و النقابات الفنية"(هكذا) مع العلم أن هذه الأخيرة ليست مجالا من المجالات الثقافية بل فاعلا ثقافيا لا معنى لوجوده في غياب المجالات المذكورة و العكس صحيح !
ثم تأتي المادة الثالثة لتزيد الأمر حيرة، حيث إنها تشير في فقرتها الأولى أن تمويل المجالات الأربع (المسرح و الموسيقى و الكتاب و التظاهرات) يأتي من "الصندوق الوطني للعمل الثقافي" بينما الفقرة الثانية تفيد أن موارد الدعم للجمعيات و الهيئات تأتي من الميزانية العامة لوزارة الثقافة (هكذا) أي بشكل منفصل !كما لو أننا أمام دعم مزدوج: مصدر تمويل أول موجه للمجالات الثقافية و مصدر تمويل ثان موجه للجمعيات و الهيئات التي تقدم مشاريع تندرج في المجالات المذكورة كحقول للاشتغال و التي يتم "تمويلها" من المصدر الأول!
و إنكانت المادة الرابعة تقتضي – في سياق دراسة و انتقاء المشاريع المقترحة - إشراك أعضاء من قطاعات وزارية معنية و –إذا اقتضت الضرورة - أشخاصا من ذوي الخبرة في المجالات المعنية، فإننا لا نجد مكانا سوى لموظفين من وزارة الثقافة (مع مشاركة يتيمة سنة 2014 لممثلمن وزارة الداخلية !).
و بالإضافة للمرسوم المذكور، حري بنا الوقوف لوهلة على نص مرجعي وضع معايير المشاركة و الاختيار يعود لسنة 2012 ،حيث توخت الوزارة الشفافية و الحكامة و المقاربة التشاركية (مع المديريات الجهوية) .و هو ينص على حرص الإدارة على تفادي الدعم المتعدد لبعض الجمعيات كما نصت على توسيع دائرة الاستفادة من الدعم و لو من سبيل التناوب و لكن في احترام لجودة المشاريع التي تعتبره المحدد الرئيس في قبول المشروع.لكن هذه الوثيقة لا يتم نشرها في كل إعلانبالرغم من كونها وثيقة مرجعية – و لو من باب الاستئناس - و حجبها لسبب من الأسباب سيؤدي بها إلى السقوط في دائرة النسيان.
كما أن التقارير المنشورة تعتبر وثائق هامة لاستقراء منظومة الدعم المباشر للفاعلين الثقافيين من النسيج الجمعوي، للوقوف على مكامن الخلل و إدراك مدى نجاح المنظومة و اتساع دائرتها و مدى تقليصهاللاختلالات و التباينات المجالية من حيث المشاريع الثقافية المرتبطة أساسا بالتجهيزات الثقافية .
و من جهة أخرى تجدر الإشارة أن تنوع المقاربات و الصيغ ربما بسبب تغير أعضاء اللجنة و محرري التقاريرأفرز معطيات متباينة لكنها تشترك في معطيات ثابتة : عدد الجمعيات المترشحة، عدد الجمعيات المستفيدة (في شقين) و توزيعها الجغرافي على مستوى الجهات الــــ 16 و أحيانا على مستوى المدن (في غياب واضح للجماعات القروية). و يمكن اعتبار تقرير 2013 دقيقا نسبيا مقارنةبسابقيه (2011 و 2012) و لاحقه (2014)، حيث قدم نسب مئوية لاستفادة كل جهة من إجمالي الدعم بالإضافة لمبالغ الدعم لكل جهة، بينما فضل محررو تقرير 2014 عدم إدراج عددالترشيحات الموزعة حسب الجهات.
و بنظرة سريعة يتضح نوع من التذبذب في الأرقام بشكل يبعث على الحيرة !مما يصعب على الدارس استخراج مؤشرات حقيقية، ربما يتحقق ذلك لو توفرت المعطيات على المدى البعيد (كعقد من الزمن أو أكثر).
كما يلاحظ أيضا أنه كلما اقتربنا من أحد الأقطاب الحضرية و الثقافية قلت الترشيحات (و بالتالي الدعم كنتيجة حتمية) بشكل يبعث على الاستغراب ! و لنا في جهتي "الغرب شراردة بني احسن" و "الشاوية ورديغة" (المتاخمتين تباعا لجهتي "الرباط سلا زمور زعير" و "الدار البيضاء الكبرى" (فضلا عن جهة دكالة عبدة المتاخمة من جهة لجهة الدار البيضاء الكبرى وجهة مراكش تانسيفت من جهة ثانية) خير دليل، ربما مرد ذلك لاستئثار القطبين بالتجهيزات الثقافية الهامة على حساب الجهات المجاورة التي تعاني من خصاص كبير من حيث الاستثمار في التجهيزات الثقافية بسبب قربها للأقطاب بدون شك ! و هي وضعية تعيشها أيضا الجهات النائية نظرا لاعتبار أصحاب القرار الاستثمار فيها "غير ذي جدوى" بسبب العزلة و بعدها عن المركز و قلة عدد ساكنتها، بينما نرى الجهات المتوسطة "أوفر" حظا نسبيا منهما، و هي مفارقة غريبة تستدعي الدراسة و التدقيق.
لكن ما يستدعي الانتباه هو وجود جمعيات "شريكة للإدارة" (كما تشير التقارير بشكل صريح ) و هي التي تستفيد من مبلغ يفوق 50.000درهم و يصل إلى 200.000 درهم و هي بذلك تستفيد من الدعم للصفة التي تتوفر عليها و ليس من خلال المشروع التي تقدمه، و هي جمعيات ذات "حضور وطني" و بعضها يتوفر على صفة المنفعة العامة . و لا ندري ما الجدوى من صياغة مشروع إذا كانت الصفة تشفع بالاستفادة من الدعم العمومي و بمبالغ كبيرة؟ و المعروف أن هذه الجمعيات تستفيد من منح سنوية من الدولة باعتبارها شريكا لها و فروعها تستفيد كذلك محليا و جهويا، و لا يتلاءم وجودها كمتنافس مع الجمعيات الصغرى أو المتوسطة ذات الامتدادات المحدودة. و إلا سيكون عاديا أن نرى أحزابا سياسية –و هي جمعيات سياسية – تطلب من الدولة الدعم المباشر لأنشطتها "الثقافية"!
و هذا الأمر يدعونا للتساؤل بإلحاح حول جدوى و ملائمة استفادة الهيئات المهنية (كالنقابات مثلا)،فماذا يمكن أن تقدم كمشروع ثقافي يتوخى الإشعاع؟ و على مستوى آخر،ماذا يمكن أن تقدم "الأوركستراالفيلارمونية المغربية"Orchestre Philarmoniqueمن مشروع ثقافيسوى عرض موسيقي؟ و ماذا يمكن أن تقدم مؤسسة من حجم "شرق غرب" مثلا كمشروع و هي في الوقت ذاته شريك للإدارة و"منافس" لها (على مستوى الاستثمار و الإشعاع) ؟
لا

شك أن الأزمة ألقت بظلالها على حجم الدعم الذي تقلص خلال فترة من الفترات (انظر المبيان رقم 3 و 4 و 5)و هذا من شأنه أن يجعل المعايير أكثر إلزاما للجمعيات المرشحة ، أو هكذا بدا الأمر !
فكيف نفسر مثلا أن سنة 2012 كانت سنة مفصلية في مسلسل الدعم ؟ حيث أن الدعم عرف انحدارا بالنسبة للجمعيات "الشريكة" قبل أن ينطلق لمستواه السابق، و العكس تماما ما حدث بالنسبة للجمعيات "غير الشريكة" و الحاملة لمشاريع ثقافية، بينما حجم الدعم الإجمالي عرف استقرارا نسبيا من حيث القيمة المطلقة بمعدل يقارب00 5.672.5 (انظر المبيان رقم 3). و كيف نفسر أيضا في السياق نفسه، المنحنى المقعر concavité في الفئة الأولى و المنحنى المحدب convexitéفي الفئة الثانية (انظر المبيان رقم 5) و التزايد من حيث العدد للفئة الأولى و تناقص الفئة الثانية عدديا ؟ (انظر المبيان رقم 3 و 4). الأكيد أننا أمام وضعية كما لو أن الأموال انتقلت من الفئة الثانية إلى الفئة الأولى لأسباب تستدعي التحري و الاستجلاء.
إذا كانت مسألة الدعم للجمعيات الثقافية و الحاملة لمشاريع ثقافيةلا تستدعي مناقشة داخلية فحسب، بل نقاشا عموميا، من أجل تطوير آلياتها، فإن الدعم المباشر للمجالات الثقافية الخمس(الكتاب و النشر، المسرح و فنون الفرجة، الموسيقى و الفنون الكوريغرافية، الفنون التشكيلية و البصرية، التظاهرات الثقافية و الفنية) يفتقد لعنصر المشروعية و الملائمة و يستدعي نقاشا عموميا، لذلك لا ̛ترى أي جدوى من تفكيك هذه المنظومة باعتبارها مؤسسة على ثقافة الريع !
هناك أشكال دعم يعلن عنها كل سنة، لكنها تفتقد لمقاربة تقييمية من خلال مؤشرات، لأن الأرقام كثيرة و لا تكفي وحدها لتصحيح الاختلالات و من واجب الإدارة توفير مؤشرات حتى يسهل على المسؤولين أخذ قرارات معقولة و قريبة ما أمكن من الصواب . فماذايفيدنا مثلا أن يعلم الرأي العام بحجم مبالغ الدعم و المستفيدين منه إذا لم تصاحب المعطيات مؤشرات كمية و نوعية ملائمة بعيدة عن التلاعب بالأرقام و النسب؟لذلك وجب بعد هذا التراكم من حيث برامج الدعم اعتماد مؤشرات بحيث لا يجب أن يكون اختيارهااعتباطيا بل ملائمامن أجل معرفة التطورات و التوجهات ، ثم الوقوف على الاختلالات التي لن تستثني حتما بعض الاختلالات الدائمة كالتوزيع غير العادل للتجهيزات و المؤسسات الثقافية على المستوى الوطني و الجهوي و الإقليمي (المركز مقابل الهامش) و الجماعي (الحضري مقابل القروي)، و القصور في التواصل و التأطير على مستوى صياغة المشاريع.
إنالحديث عن الدعم العمومي و منظومته يتطلب أكثر من مقال، و يتطلب دراسة جادة يجب أن تجد طريقها إلى الرأي العام عوض أن تبقى حبيسة الأدراج (و تصرف عليها الملايين بدون نتائج).
يجب مراجعة منظومة الدعم الثقافي في شموليتها، كما يجب التركيز على الدعم غير المباشر على أن يصير هو القاعدة و الدعم المباشر هو الاستثناء و ليس العكس، و لا مناص من التذكير أن قطاع الكتاب – باعتباره صناعة ثقافية – هو الأجدر بالدعم أكثر من أي مجال ثقافي آخر و باعتباره "الشعبة الثقافية" الأضعف من حيث الإنتاج (العرض) و الإقبال (الطلب) و يتطلب استثمارا خاصا و ترسانة قانونية متماسكة، بينما المجالات الأخرى تتطلب استثمارا عموميا من حيث البنيات الأساسية و التجهيزات و هو ما تسعى إليه الوزارة الوصية من خلال توسيع دائرتها بفضل شراكات متعددة فيما يخص التمويل (التمويل المشتركFinancement Croisé) و الإنجاز (الإشراف المنتدب على المشروعMaîtrise d’Ouvrage Déléguée).
لا يمكن الحكم على المنظومة في صيغتها الجديدة (بعد إصدار المرسوم المنظم لعملية الدعم الصادر سنة 2013 و إعلانات الدعم برسم سنة 2015) لأن الأمر يتطلب مسافة زمنية كافية للتقييم خصوصا في أفق الجهوية الموسعة و إفرازاتها على مستوى التقطيع الترابي الذي سيجعل من عملية التقييم هاته مقاربة منهجيةغير سليمة.
لكنلا شك أن هناك مجهودات لتطويرمنظومة الدعم و آلياتها حسب ما هو وارد في إعلانات الدعم برسم سنة 2015 التي جاءت بصيغ و عناصر جديدة (كناش التحملات، دورتان فيشعبتي الكتاب و المشاريع الثقافيةـ، التوطين لفائدة الفرق المسرحية..) لكنها لم تأت بمضامين جديدة - باستثناء التوجه نحو التعاقد و هو شكلي على كل حال - بدليل أن الهيئات "الشريكة" لا زالت تستفيد من الدعم بغض النظر عن طبيعة المشروع و جودته، و لا زالت النتائج غامضة من حيث طبيعة المشاريع على مستوى الجمعيات خصوصا.
لكن يبقى من الغريب -في سياق الحكامة المنشودة - أن يتجه الدعم المباشر إلى مجالات فنية من المفروض أن تلج السوقو يكون الطلب محددا لبقائها من عدمه . فلا يمكن للوضع أن يستقيم و نحن نشاهد تدخل الدولة - بواسطة موظفين عموميين - في اختيار الأعمال بدل المتلقي و شرائها باسمه من مال دافعي الضرائب! و مهما سعت "وزارة الثقافة " إلى مشاطرة المعلومة مع الفاعلين الثقافيين و الرأي العام، فإن مسلسل عدم الرضا و السخط لدى الفاعلين الثقافيين الذين لم ينالوا نصيبهم من الدعم لن ينتهي، كما أن دور المجلس الأعلى للحسابات مهم في هذا السياق ليس من أجل المحاسبة فحسب بل من أجل تصحيح الاختلالات في تدبير المال العام، دون نسيان دور المفتشية العامة للمالية (IGF) التي تضطلع بهذا الدور منذ عقود، لكن آليات المراقبة هاته (أو الافتحاص كما يصطلح عليه) لا زالت ̛ترى بعين الريبة و التوجس مع الأسف .
* إطار باحث في الشأن الثقافي