بديل ـ عن "الوسيط البحرينية" بتصرف

"لا يهمني أين و متى سأموت بقدر ما يهمني أن يبقى الثوار يملئون الدنيا ضجيجا كي لا ينام العالم بثقله فوق أجساد الفقراء والمحرومين" هكذا صدح واحد من بين شرفاء السلالة البشرية، ارنستو تشي غيفارا، الذي أعدم في مثل هذا اليوم من سنة 1967 على يد جنود بوليفيا وبمساعدة من المخابرات الأميركية.

وُلد كيفارا عام 1928 من عائلة بورجوازية، في مدينة روساريو الواقعة على بعد نحو 250 كيلومترا من العاصمة الأرجنتينية (بوينس آيرس ) قبل أن يبصم تاريخه بمداد من ذهب في الثورة الكوبية إلى جانب الزعيم فيدل كاسترو.

تعرض جيفارا لأول أزمة، في حياته في سنته الثانية، إذ اضطرت أسرته الثرية نسبيا والتقدمية ذات الجذور الارستقراطية إلى الانتقال نحو الجبال في إقليم كوردبا حيث عاش جيفارا حتى بلغ الـ19 سنة.

مر جيفارا بالحركة القومية البيرونية مرور الكرام ولم يكن لها تأثير كبير عليه خلال دراسته الثانوية، بيد أن رحلاته المبكرة في الأرجنتين وأميركا الجنوبية 1950 - 1952 بعد أن بدأ في دراسة الطب بجامعة بوينس آيرس ولدت لديه الوعي الثوري.

كتب جيفارا في مفكرات سفره، التي تحولت إلى يوميات، قبل أن يحولها والتر ساليس إلى فيلم سينمائي فيما بعد يقول «هذه الجولات العشوائية في أميركا الواسعة غيرتني بأكثر مما كنت أعتقد".

جيفارا يولد من جديد

خلال جولته مع البرتو جرانادو عبر تشيلي وبيرو وكولومبيا وفنزويلا اتصل جيفارا بأكثر القطاعات حرمانا في المجتمع وشاهد على الطبيعة مظاهر الظلم الاجتماعي والاقتصادي الواضحة في المنطقة، وكانت هذه الجولات بمثابة إلهام لأفكاره بشأن حركة اجتماعية توحد أميركا اللاتينية في نهاية الأمر.

بعد حصوله على درجة علمية فى الطب شرع جيفارا العام 1953 في القيام بجولة ثانية مع صديق الطفولة كارلوس «كاليكا» فيرير، أخذته الجولة إلى غواتيمالا في الشمال حيث التقى زوجته الأولى هيلدا جاديا ومجموعة من المنفيين الكوبيين الذين لقبوه بـ «تشي» في إشارة إلى الكلمة الأرجنتينية التي تستخدم في المناداة على الآخرين مثل كلمة «هيي» في اللغة الانجليزية.

يلتقي كاسترو ويصبح يده اليمنى

بحلول العام 1954 وصل المكسيك بالتزام واضح بالأيديولوجية الاشتراكية، وانضم الى حركة موفيمينتو 26 دي جوليو بقيادة الأخوين فيدل وراؤول كاسترو. وشارك في تدريبات الحركة التي استهدفت الإطاحة بالدكتاتور باتيستا.

نزلت المجموعة المؤلفة من 82 رجلا في كوبا في 2 ديسمبر/ كانون الأول العام 1956 على متن اليخت جرانما، وأظهر تشي روح القيادة والمهارة كطبيب وجندي وقام فيدل كاسترو بترقيته إلى قائد فرقة رجال حرب العصابات التي أطاحت بباتيستا.

صار تشي ذراع كاسترو اليمنى، وتقلد عدة مناصب رفيعة سياسية وعسكرية ودبلوماسية وشارك في مسيرة التصنيع والإصلاح الزراعي. كما شارك في دعم العلاقات السياسية والاقتصادية المحورية مع الاتحاد السوفياتي.

انطلاقا من دوره كزعيم ثوري، شارك جيفارا في الكثير من المحافل الدولية سعيا إلى تصدير الثورة والترويج لفكرته التي تدور حول «رجل اشتراكي جديد» إلى العالم النامي.
في العام 1965 غادر كوبا للقتال في الكونغو إلى جوار الثوريين المناهضين لبلجيكا حتى هزموا على يد قوات مدعومة أميركيا.
ختم جيفارا واحدة من رسائل وداع كاسترو بعبارة «دائما حتى النصر» التي شاعت في مختلف أرجاء المعمورة بعد ذلك.

نهاية جيفارا

في رحلة عودة سرية إلى كوبا خطط جيفارا مع كاسترو لمهمة في بوليفيا لقيادة تمرد الفلاحين وعمال المناجم ضد النظام العسكري وإقامة رأس جسر لحرب عصابات في قلب أميركا الجنوبية، كانت نهايته في تلك المهمة. فقد أسر جيفارا وأعدم في 9 أكتوبر/ تشرين الأول العام 1967 على يد جنود بوليفيا وبمساعدة من المخابرات الأميركية. وعثر على رفاته عام 1997 ونقل إلى ضريح في سانتا كلارا في كوبا.

على رغم جميع الانتقادات التي تعرضت لها شخصية المقاتل الراحل فإن أتباعه كانوا من القوة بحيث ساعدوا الفنان اندريس زيرنيري في عمل تمثال جيفارا من 75 ألف مفتاح وغيرها من المواد البرونزية التي تبرع بها أكثر من 15 ألف شخص على مدى العامين الماضيين. وطاف التمثال عبر شوارع بوينس آيرس في مايو/ أيار قبل أن يزاح الستار عنه في روساريو.

نسي العالم مُعدمي جيفارا ولكن العالم لم ولن ينساه كواحد من بين شرفاء السلالة البشرية، الذي ستظل ذكراه تلهم فكر كل حرة وحر للنضال من أجل حياة بديلة عن القائمة، حيث لا يستعبد فيها الإنسان أخيه الإنسان.

خطاب تاريخي لجيفارا داخل الأمم المتحدة