عبد الله أفتات

في سلوك يؤكد المنحى الانحداري الذي يعرفه ملف الحريات بالمغرب، وفي سياق التراجعات التي يشهدها المغرب على مجموعة من المستويات بعد أن ضعف وهج الحراك في نسخته المغربية متأثرا بما يجري إقليميا من محاولات تبدو في معظمها يائسة تغيير بوصلة رياح التغيير الذي لا مناص من حدوثه عاجلا أم آجلا، رفضت السلطات الولائية لمدينة الرباط في شخص بعض مسؤوليها الذي لا زالوا على "ضلالهم القديم" وهو بلا شك يعبر عن التوجه الأبرز للدولة المغربية، تسلم الملف القانوني لجمعية "الحرية الآن" دون تقديم مبررات حول هذا المنع الذي صدم البعض في ما اعتبره البعض الآخر عادي، ويأتي هذا المنع في وقت كان يعتقد فيه أن الحكومة الإسلامية التي يقودها حزب معتدل جدا سيعمل على حل ملفات الأحزاب والجمعيات والمنظمات الممنوعة وإذا به يضاف ملف آخر لدائرة الممنوعيين بالمغرب .

وفي انتظار أن يتطوع "المصطفيان" الخلفي والرميد تبرير السلوك المخزني هذا كعادتهما وغالبا ما سيكون هذه المرة أكثر ابداعا بالنظر لضخامة وقيمة الأسماء الممنوعة، سأتطوع مقابل ذلك لأقدم بعض الأسباب التي قد تكون متداولة لدى مصالح وزارة الداخلية بخصوص هذا المنع الذي جاء ليعزز دائرة الممنوعين من حقهم في التواجد القانوني والذي يشمل مختلف الإطارات والتوجهات والحساسيات تتوزع ما بين اليساري والإسلامي والأمازيغي .. القاسم المشترك بينها هو مناهضتها للفساد والاستبداد وتشبثها المستميت بممانعته ومقاومته إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا .

أول ما أخاف المخزن من هذا الإطار الصغير هو أنه سيقدم نموذجا قد يحتذى به في المستقبل القريب في مسألة العمل المشترك بين الإسلاميين واليساريين والعلمانيين، خاصة وأن عوامل نجاح التجربة على هذا المستوى كلها متوفرة، ومعظم الأسماء المتواجدة داخل هذا الإطار على وعي تنظيمي واستراتيجي كبير، واعتبرها المخزن أنها قد تكون كتمهيد للنقاش الجاد الذي فتحته العديد من الأطراف حول تحالف أطراف مختلف مرجعية لكنها متفقة على أولويات المرحلة، هذا إذا علمنا أن العديد من محاولات العمل المشترك بين المكونات المشار إليها أجهضت في مهدها منذ بداية تسعينات القرن الماضي ، فالثقافة التي يراد لها الاستمرار هي التنازع والمواجهة بين الأطراف الوازنة والمؤثرة والمعتبرة المختلفة مرجعية واللعب على أوثار أهدافها ومراميها أصبحت معلومة اليوم ولم تعد تخفى على العقلاء في هذا البلد .

ثاني ما أخاف المخزن من هذه التجربة هو استقاطبها لزبدة وقادة النضال على مستوى الحريات، وهو غير ملام على هذا، فمن من داخل المخزن سيقبل بتواجد كل هاته الأسماء الرنانة في إطار واحد وجبهة واحدة، الباحث المعطي منجب، والحقوقية البارزة خديجة الرياضي، والصحفي علي أنوزلا، والحقوقي المهندس أحمد ابن الصديق، والمعتقل السابق رضا بنعثمان، والصحفية فاطمة الإفريقي، والصحافية فتيحة أعرور، الحقوقية ربيعة البوزيدي، و أحمد بوز ، سليمان الريسوني، محمد السالمي، طارق رشيد، مينة تافنوت، محمد المسعودي. خاصة وأن من بين مهام هذا التنظيم الجديد "رصد انتهاكات حرية الرأي والتعبير بالمغرب والدفاع عن الاعلاميين والمثقفين والمبدعين، وتشكيل قوة اقتراحية للارتقاء بالقوانين المتعلقة بممارسة الصحافة وكل ما يتعلق بحرية الرأي والتعبير" ، والمخزن كما نعرف يضيق صدره ممن يرصده ويتتبعه.

ثالث ما جعل المخزن يتهيب من هذا الإطار الصغير هو تواجد ضمن تشكيلة المكتب التنفيذي اسم أعلنها مدوية وخلع بيعته للملك من عنقه في سابقة هي الأولى من نوعها بعد معاناة طويلة مع الملك ومحيطه، الأمر يتعلق بأحمد ابن الصديق المدير السابق لشركة صوطرمي التابعة لصندوق الإيداع والتدبير والمدير التنفيذي لجمعية 12 قرنا لتأسيس مدينة فاس، حيث وقف في وجه ما يجري داخل الحامة من فضائح وفساد، قبل أن يتم تهميشه وقرصنة فكرته المتمثلة في إحياء ذكر 12 قرنا على تأسيس مدينة فاس العريقة، ومن غير المستبعد أن يخرج الناطق الرسمي باسم "حكومة التبريرات" ليقول أن من بين أسباب منع "الحرية الآن" تواجد هذا الشخص الغير مرغوب فيه ضمن التشكيلة، خاصة وأن السلطات المعنية حاولت تهميش هذا المهندس، ودخلت في صمت مطبق رغم مراسلاته المتعددة للملك وتصريحاته الصحفية النارية ودخوله في إضراب مفتوح عن الطعام قبل أن يتدخل الوالي الراحل العمراني بعد أن وصل الإضراب مرحلة متقدمة، وهذا كله نتيجة الكيفية الغريبة التي تعاملت بها بعض المؤسسات الرسمية مع رسائله الموجهة لها في الموضوع والتي تتضمن جميع التفاصيل .
رابع الأسباب تتعلق بتواجد امرأة رائعة نالت ما يكفي من التهميش الرسمي رغم التكريمات الدولية آخرها جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وهو ما اعتبره العديد من المراقبين بمثابة إدانة للمغرب الحقوقي الرسمي، وهو ما لم تستسيغه السلطات المغربية، وبدا واضحا في ردود أفعالها، حيث لم يتناول الإعلام الرسمي خبر التتويج الحقوقي العالمي، كما أن الحكومة لم تعر للأمر أي اهتمام بما في ذلك الأسماء الحقوقية المتواجدة داخلها، هذا فضلا عن عدم تهنئتها من طرف ملك البلاد كما جرت العادة في مثل هاته المناسبات، لكن الملك أخلف موعده ولم يهنئ ولم يستقبل السيدة خديجة .

خامس سبب قد يكون وراء هذا المنع/الصدمة هو تواجد اسم لطالما ضاق صدر السلطة من مقالاته ومن الخط التحريري لموقعه الذي اكتسح الساحة في فترة جد وجيزة لاعتبارات عديدة منها توجهه النقدي، وفتحه الباب للتنظيمات والشخصيات المعارضة والتي لا تجد لها مكانا في الإعلام الرسمي الذي يمارس تعتيما قويا على كل اسم فيه رائحة المعارضة الجادة رغم وصول حزب يقول أنه يناضل من داخل المؤسسات اسمه حزب العدالة والتنمية، قلم علي أنوزلا السيال أزعج كل الجهات المخزنية داخل الدولة وجعلها تتصيد المناسبات للنيل منه، خاصة بعد أن فشلت في استمرار اعتقاله بسبب ما اعتبرته "اشادة بالإرهاب" حيث خرج الرميد والخلفي ليبررا هذا الاعتقال وهذه المتابعة لدرجة أن الرميد قال لوكنتم تعرفون ماذا فعل أنوزلا، وكأنه كان يخطط لتفجير مؤسسات وليس صحفي معروف بمواقفه المعارضة السلمية .

أقدر أن هذه هي الأسباب الحقيقية لمنع جمعية "الحرية الآن"، وأقدر أن بداية الأسبوع المقبل ستعرف خروج الحكومة لتدافع كالعادة عن هذا الإجراء، وخاصة وزراء العدالة والتنمية الذي يستثمرون ما حبا الله بعضهم من فصاحة للدفاع عن الاختيارات المخزنية، ولم لا فجلهم لم يعودوا يتحملون فكرة مغادرة الكراسي الوثيرة والسيارات الفارهة، وإن كنت أتساءل ماذا عساهم هذه المرة أن يقولوا وأن يبرروا ؟ نحن ننتظر لنضحك قليلا، ونبكي كثيرا على واقع بلدنا الحبيب المغرب، وكيف أن المخزن يطوع الأحزاب ليجعلها ليس فقط تنفذ قراراته بل تدافع عنها وتبدع في إيجاد التخريجات المناسبة التي تحتاج إلى مناضلين "شرفاء" من طينة "المصطفيان" الرميد والخلفي، فهنيئا لحزب العدالة والتنمية على نتائج مشاركته الحكومية الكارثية .
[email protected]