يحيى بن الوليد

أعتقد، وجازما، أن كل من أتيحت له فرصة مواكبة المحاكمة الشعبية التي تمّت، بمدينة أصيلا ــ المختبر السياسي للفساد بجميع أشكاله، ولواحد من كبار رموز الفساد السياسي والثقافي والمالي بالمغرب ككل، إلا وكان قد وضع يده على قلبه متسائلا: هل توجد هذه المدينة داخل المغرب أم خارجه؟ ولتساءل أيضا: هل فعلا مات القذافي أم أنه لا يزال يتغذى من نسخه المكرورة؟

جرائم لا تغتفر، ومن شتى الأصناف والألوان والمداخل والمخرجات، في السياسة كما في الثقافة والاقتصاد، ومن تزوير وانتحال صفة الوزير وانتقام وتطاول على أملاك الغير وتلاعب بجثث الأموات والأحياء وتحريض وبلطجة وشراء الإعلام والذمم وإرشاء الأتقياء والسماسرة... وبجميع الوسائل القذرة وغير الضرورية.

صحيح أن هذا الطاغية تعرّى بالكامل أمام الرأي العام، الآخر، الذي يطلّـع على المستجدات والنقاش العام من خارج القنوات المعروفة المرتشية في أحيان والمتفادية للخوض في الحرائق في أحيان أخرى؛ لكن الطاغية لا يزال مصّرا، وبالكامل، على الالتصاق بالكرسي لأسباب تعود إلى "الجينات" وتصريف الأمراض الوظيفية والأعطاب النفسية. في أصيلا، وبكل وقاحة، رفع شعار "أصيلا مدى الحياة". وحتى الآن، وعلى رغم من أنه أمضى خمس وثلاثين سنة على رأس العباد، فإنه لا زال مصرا على أن "يحكم". وكأن الناس كتب عليهم أن يولدوا ويقرؤوا ويتزوجوا وينجبوا... أمام هذا الفرعون الذي لا يعتقد في جدوى ذبابة التقاعد وتداول السلطة.

ويحصل كل ما سلف مع أن الطاغية يعجز عن الخروج للشارع، ومع أنه حوصر في أكثر من مرة، وبالحجارة في أحيان وفي باب منزله، ومع أنه كتب له "ارحل" فوق الجدران... إلخ. أجل إننا لا نقبل بالعنف غير أنه ــ في مقابل ذلك ــ لا نوافق على هذا النوع من الإصرار على الإمعان في البقاء من أجل الفساد. وتلك هي حال الطغاة، من "المعتقين"، من الذين يصرّون على البقاء حتى الربع ساعة الأخير.

المشكل، وهذا هو جوهر هذا المقال المقتضب، ليس في هؤلاء فحسب. المشكل ليس في اللاعبين فقط، وإنما في قطاع بأكمله من الجمهور أيضا. وقد يكون هذا الوجه الآخر من الخطورة، فنحن بدورنا ندعم الطغاة ونعمل على إدامة أعمارهم. وهذا ما حصل لي، مؤ خرا، في أكثر من نقاش مع أكثر من صديق من الأصدقاء الأعزاء عليّ وبعضهم يشغل منصبا من المفروض أن يزكيه بوعي متضمَّن في أبجديات العلوم السياسية.

شخصيا لست مناصرا للأحزاب على رغم انتمائي لحزب ينطبق عليه الخراب السياسي مثلما تنطبق عليه لوثة الانتهازية والوصولية، غير أن الممارسة السياسية لمحاربة الفساد واجتثاث أهرام الفساد في التصاقهم ــ الفولادي أو الحديدي ــ بمدننا لا بد من أن تمرّ عبر الأحزاب. لا أفهم كيف يمكن أن نسبّ جميع الأحزاب، ونطلب التغيير. مباشرة التسيير، والوصول للسلطة وليس التسلّط، يستلزم القبول بـ"اللعبة السياسية" بمعناها المصاغ في العلوم السياسية. وفي حال انعدام نقاش من هذا النوع فإننا لا نعمل إلا على تعزيز أطروحة "الحال المغربي الأبدي"، دونما وعي منا أن رموز التسلط والمهب والفساد تصل عن طريق أحزاب. لا ينبغي أن يفهم من كلامي التلويح بأي فكرة من الأفكار وبما في ذلك أي نوع من التشجيع على الانتخابات ذاتها. قصدي وضع الأشياء في سياقها خصوصا في المدار الذي يتكشّف عن المراوغة أو الخوف أو التستّر على الفساد. واضح، إذا، أن الأمر يتطلب معركة كبرى وعلى صعيد الوعي ابتداءً.

وكما قال فولتير: "أنا أدعوكم إلى قتل هذا الوحش المفترس وأنتم تقولون لي ما البديل"؟