عبد الله أفتات

أعادت المسيرة التي نظمت مساء الخميس الماضي انطلاقا من ساحة التغيير ببني مكادة للتضامن مع صمود غزة وللتنديد بالجرائم الصهيونية في حق جزء من أبناء هذه الأمة ، علاقة التنظيمات اليسارية ونظيرتها الإسلامية إلى الواجهة من جديد، ومرة أخرى تقدم مدينة طنجة النموذج على هذا المستوى لاعتبارات عديدة .

فهناك من يعتبر أن للأمر علاقة بالصداقة التي تجمع بين مجموعة من القيادات المحلية رغم اختلاف المرجعية، وهناك من يقدر أن العلاقة العائلية التي تربط بين رموز يسارية وأخرى إسلامية لها يد في هذا التقارب، وأعتقد أن الأمر يتجاوز كل هذا إلى قناعات فكرية أملتها تطابق على مستوى المواقف والأولويات السياسية، على اعتبار أن طنجة راكمت تاريخيا تجارب وإن كانت فردية في البداية لكن سرعان ما تحولت إلى تجارب عملية جماعية .

المعطيات التي بحوزتنا تفيد أن السلطة محليا منزعجة من عودة هذا التقارب بعدما اعتقدت أنه ولى من غير رجعة بعدما تراجع وهج الحراك الذي كان من بين أقوى العوامل المرسخة له وبسبب أيضا البروز القوي للقيادات الداعية إلى هذا التقارب وخروجها بشكل فاجأ الجميع نحو الواجهة، رغم محاولات السلطة التي عملت وبشتى الطرق على ضربه مستعملة في بعض الحالات طرق تجاوزها الزمن ولم تعد تجدي نفعا.

ما أزعج السلطة أكثر هو أن المسيرة التي نظمتها تنظيمات يسارية وإسلامية لم تأخذ تصريحا، ما دامت وهي الداعمة للحراك تعتبر أن هذا مكسبا حققته ولن تفرط فيه، قد يكون للسلطة حسابات أخرى حسب ما نتوفر عليه من معطيات في عدم تفريقها للمحتجين، لكن بالتأكيد عامل الوحدة كان له الفضل الكبير في تراجع السلطة عن منع المسيرة .

المعطيات تقول أيضا أن السلطة لم يرقها وهي ترى أسماء ورموز يسارية وإسلامية تسير في المسيرة جنبا إلى جنب، جمال العسري اليساري ومحمد الصروخ الإسلامي، عزيز اغبالو الإسلامي ومحمد المسوي اليساري، ومحمد الزكاف الإسلامي ونجيب السكاكي اليساري، والعديد من الرموز الشبيبية والحقوقية والإعلامية بتوافق وانسجام تامين .

التنسيق بين الإسلاميين واليساريين بطنجة ينذر بعودة الاحتجاجات الميدانية إلى ساحات المدينة، هذه المرة ليس من أجل غزة أو قضية من قضايا الأمة، بل من أجل قضايا محلية أو وطنية تمس المواطن بشكل مباشر، خاصة وأن الظروف كلها أصبحت مناسبة لهذه العودة الميمونة، ولقد قدمت معظم الأطراف المشكلة للتنسيقية المدعمة للحراك العشريني إشارات في هذا الاتجاه.

يحدث كل هذا رغم فشل تجربة العمل المشترك بين اليسار والإسلاميين في عدد من المدن المغربية، مما يعني أن صمود تجربة طنجة توحي أن نظرة ثاقبة تميز قيادات الطرفين بالمدينة، هذا إذا علمنا أنهما يكملان بعضهما البعض، فإذا كان لليسار التاريخ النضالي والآليات النضالية الرمزية الحقوقية منها على الخصوص، فإن للإسلاميين الشرعية الميدانية والعددية تجعل منهم طرفا أساسيا .

إن هذا التقارب قد يعيد الوهج النضالي من جديد إلى المدينة الذي افتقدناه منذ مدة يمكن أن نقول عنها أنها طالت نوعا ما، خاصة وأن التجربة النضالية المؤسساتية أكدت عدم جدواها في الوقت الراهن من داخل المؤسسات الرسمية المحلية، ولننظر اليوم لحزب العدالة والتنمية داخل المدينة لا هو يجد نفسه مع أحزاب توصف بالإدارية (الحركة الشعبية، الاتحاد الدستوري، الأصالة والمعاصرة، حزب الأحرار..) ولا مع الأحزاب المناضلة المدعمة للحراك، ويحس بنفور منها كما حدث في مسيرة غزة الرمضانية، فهو بعيد كل البعد عن الإسلاميين (العدل والإحسان وحزب الأمة) وأبعد من الأحزاب اليسارية الجذرية ( الاشتراكي الموحد، الطليعة، النهج الديمقراطي..) حتى أن هناك من يتحدث على أنه وحيد يتيم بلا حبيب، وهو ما يجعله يقدم على تنازلات داخل مؤسسات المدينة للسلطة تارة وللأحزاب الإدارية تارة أخرى وهو ما قد يؤثر مستقبلا على مسيرته وشعبيته .