من المسلمات في الأدبيات السياسية الغربية، أن الزمن الانتخابي فرصة للمواطن لبسط عقابه وجزاءه على من تم انتدابهم لتدبير الشأن الوطني أو المحلي والقصاص منهم. انه ينصب نفسه في مقام مراقب لتقييم سياسة المنتخب و يطلع على انجازاته وإخفاقاته. بدوره المنتخب يعي جيدا دور المواطن، وان صوته غير قابل للشراء أو المساومة، فلا سبيل له إلا العمل المتواصل والمستميت. فنظرة عجلى على النظام السويدي مثلا تهدينا إلى ارتفاع منسوب الثقة بين المواطنين ورجال السياسة، وارتفاع نسبة المشاركة في الانتخابات التي تصل إلى حوالي 80% .

في الأعراف والأدبيات المغربية تغيب الانجازات وتطفو الإخفاقات، ويتحول الزمن الانتخابي إلى ملحمة، ويتخذ بعدا كرنفاليا بين متنافسين مألوفين عمرا طويلا في الساحة السياسية، ولا يغادرونها الا بانقضاء أجلهم. تنافس محموم وهجرات وترحال متواصل ومتواتر من حزب لأخر، ليس هناك حضور لمفهوم الولاء الحزبي والتشبث بمبادئه وإيديولوجيته ومشروعه المجتمعي، فالأعيان التي تطفو في المشهد الانتخابي لا تستحضر هذه المفاهيم، فهي تعتبر الأحزاب السياسية بمثابة بدلة يرتديها المرء ويخلعها حسب الظروف والمناسبات بتعبير جون واتربوري. وهناك أمثلة كثيرة يمكن الاستدلال بها.

"فالأعيان في الأصل لا طعم لهم و لا رائحة. فاللافتة السياسية التي يستعملونها للترشيح في الانتخابات لا تدل على وجود رابطة عضوية ووجدانية متينة للحزب، فالانتماء السياسي لا قيمة له بالنسبة لأعيان الانتخابات... وبعبارة أخرى فان أعيان الانتخابات عموما ليسوا جزءا من مشروع حزبي حقيقي. وهم درجوا على تغيير الصفة الحزبية التي يتقدمون بها في الانتخابات وأحيانا يغيرون الحزب في منتصف الطريق."( محمد الساسي، ظاهرة أعيان الانتخاب في 2009 وما قبل 2009"، المجلة المغربية للعلوم السياسية، العدد 4، الجزء 7، شتنبر 2013) .

في الزمن الانتخابي يتم الاستنجاد بالأعيان Les notables على حساب المناضلين والمثقفين، الذين يتم وضع أسماءهم في لوائح الشباب أو النساء، فإلقاء نظرة على اللائحة الوطنية للانتخابات التشريعية الأخيرة لمختلف الأحزاب السياسية تبين لنا هذه النقطة بجلاء. ان الأحزاب السياسية تعي جدا أن من له القدرة على حسم نتائج الانتخابات هم الأعيان الذين يمتلكون رساميل مادية ورمزية تمكنهم من حسم المعركة الانتخابية لصالحهم.

في الزمن الانتخابي يعود المنتخب ليرتدي عباءة المواطن البسيط القابع في القاع، ويبدأ في العزف على وتر آهات المواطنين ومشاكلهم اليومية، واستحضار انجازاته الوهمية. والإيغال في خطاب اليتوبيا ، ومخاطبة الجماهير على أساس مفهوم المواطنة لا على أساس مفهوم الرعية. وينزل لمخالطة العامة ليلقي التحية على هذا، ويصافح ذاك.

في الزمن الانتخابي توجد تيارات متضاربة متلاحمة، تموج بها الحياة السياسية. وخطاب سياسي تضيع في طياته بقايا وشظايا أمل في السياسة، وبهرجة وهرطقة المنتخبين الموشومة بالبؤس والفقر لأجل استمالة الناخبين، ليس دفاعا عن مصلحة الوطن والمواطنين، فالذي يخدم الوطن لا ينتظر الزمن الانتخابي من أجل الصدح بها، بل خدمة الوطن و المواطنين قولا وعملا طوال مدة الانتداب.